يقول الله تبارك ونعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم .. } الأنفال: 60، وفي هذه الآية أمر إلهي كريم موجه للمسلمين بإعداد العدة لقتال أعداء الله، ولكن الشيخ الألباني حفظه الله يضع لتنفيذ هذا الأمر شرطًا غريبًا لا نعلم أحدًا سبقه إليه، وذلك حيث يقول كما في كتاب فتاوى الشيخ الألباني: ( ... لمن الخطاب {وأعدوا لهم} .. أعدوا معشر المسلمين .. معشر المؤمنين بالله حقًا .. هل نحن كذلك؟ إذن نحن ما صرنا بهذه المثابة التي تستحق توجيه الخطاب إلينا مباشرة لأننا لسنا مؤمنين حقًا ... ) [40] ، وفي موضع آخر من الكتاب يكرر الشيخ رأيه هذا قائلًا: (لمن الخطاب في قوله {وأعدوا لهم} ؟ المسلمون المؤمنون حقًا والمحافظون على كل ما أمر الله به ورسوله أم هم أمثالنا من المسلمين في آخر الزمان. من المقصود بهذا الخطاب؟ هم طبعًا النوع الأول من المؤمنين) [41] . ثم يقول موضحًا صفات المؤمنين المخاطبين بهذه الآية: (ليس من الضروري أن يكون هؤلاء يصومون الدهر ويقومون الليل، لا، هذه نوافل، لكن المؤمنين هم الذبن يأتون بما فرض الله وينتهون عما حرم الله) [42] .
ونحن بدورنا نسأل الشيخ:
من أين جاء بهذا الشرط الغريب؟
وما الدليل على أن الخطاب في الآية هو للمؤمنين حقًا؟
أو الذين وصفهم الشيخ بأنهم يأتون بما فرض الله وينتهون عما حرم الله؟
إن الله عزّ و جل خاطب المؤمنين بقوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام .. } البقرة: 183، وخاطبهم بقوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود .. } المائدة: 1، وخاطبهم بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... } الآية المائدة:6، وخاطبهم بقوله: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .. } الأحزاب:56، إلى غير ذلك من الآيات التي جاء الخطاب فيها للمؤمنين أمرًا أو نهيًا، فهل يمكن لأحد أن يقول إن الخطاب في هذه الآيات جميعها إنما هو لطائفة مخصوصة من المسلمين وهم المؤمنون حقًا؟ إنه لو صح ما يقوله الشيخ لجاز لقائل أن يقول: لن أصوم رمضان لأني لست من هؤلاء المؤمنين حقًا الذين يأتون الفرائض كلها وينتهون عما حرم الله، أو يقول لن أوفي بالعقود أو لن أصلي على النبي عليه الصلاة والسلام وذلك لأني لست مؤمنًا حقًا.
فإن قال الشيخ أنا لم أقل هذا إلا في شأن الإعداد فقط، قلنا له وما الفارق بين الأمر بالإعداد وغيره من الأوامر والنواهي الشرعية التي خوطب بها المؤمنون؟ أو ليس الكل خطابًا للذين آمنوا؟
ويا لها من مكافأة كبيرة يكافأ بها المقصرون في القيام بما افترضه الله عليهم حيث يقال لهم - بناء على تفسير الشيخ: بما أنكم عصاة مقصرون في إتيان الواجبات فسوف نكافئكم بإسقاط واجب الإعداد عنكم، ومن باب أولى فأنتم معفون من أمر الجهاد نفسه إذ ما دام المرء غير مطالب بالإعداد فهو غير مطالب بالجهاد، بل إني سمعت للشيخ شريطًا منذ سنوات يقرر فيه ذلك بالنسبة للجهاد أيضًا، لكن ليس تحت يدي الآن ذلك الشريط لأثبت نص قوله فيه.
والحق أن الجهاد والإعداد له واجبان شرعيان لا يشترط لآدائهما أن يكون المرء خاليًا من المعاصي والذنوب، وقد جاء الأمر بهما أمرًا مطلقًا غير مشروط بهذا الشرط الذي اشترطه الشيخ، وقد كان في السلف من يجاهد ولما تكتمل عنده الشروط التي اشترطها الشيخ.
ومن ذلك ما جاء في حديث البراء رضي الله عنه: (أتى النبيَ عليه الصلاة والسلام رجلٌ مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال أسلم ثم قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل. فقال رسول الله: عمل قليلًا وأجر كثيرًا) [43] . فهذا الرجل قد قاتل بعد إسلامه مباشرة ولم يطلب منه النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتظر حتى يكون من أولئك الذين يأتون الفرائض ويتركون المحرمات.
ومثله ما جاء في قصة أصيرم بني عبد الأشهل؛ فقد روى ابن إسحاق عن أبي هريرة أنه كان يقول: (حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش. قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه. فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال: فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا والله إن هذا للأصيرم ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث فسألوه ما جاء به؛ فقالوا ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال بل رغبة في الإسلام آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم. فذكروه لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: إنه لمن أهل الجنة) [44] .
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: ( ... إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) [45] .
وفي خبر أبي محجن الثقفي أنه كان: (لا يزال يجلد في الخمر فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون فكأنه رأى المشركين وقد أصابوا في المسلمين فأرسل إلى أم ولد سعد - أو إلى امرأة سعد - يقول لها إن أبا محجن يقول لك إن خليت سبيله وحملتيه على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحًا ليكونن أول من يرجع إلا أن يقتل ... فحلت عنه قيوده وحمل على فرس كان في الدار وأعطي سلاحًا ثم جعل يركض حتى لحق بالقوم فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه فنظر إليه سعد فتعجب وقال من هذا الفارس؟. فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى هزمهم الله فرجع أبو محجن ورد السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان، فجاء سعد فقالت له امرأته - أو أم ولده - كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلًا على فرس أبلق لولا أني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن، فقالت: والله إنه لأبو محجن كان من أمره كذا وكذا ... فدعا به وحل عنه قيوده وقا: ل لا نجلدك في الخمر أبدًا، قال أبو محجن: وأنا لا تدخل رأسي أبدًا ... ) [46] .
ومن أصول أهل السنة والجماعة الجهاد مع كل بر وفاجر من الأمراء، ومعنى ذلك أن الفاجر من الأمراء جهاده مشروع وأننا مطالبون بالجهاد معه رغم فسقه وفجوره وهذا يسقط الشرط الذي اشترطه الشيخ.
ومن أغرب ما في دعوة الشيخ هذه أنها تخالف قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) [47] .
فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لاتزال طائفة من أمته تقاتل في سبيل الله وأن ذلك لا ينقطع حتى آخر الزمان.
قال الإمام الخطابي في معالم السنن: (فيه بيان أن الجهاد لا ينقطع أبدًا وإذا كان معقولًا أن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلًا فقد دل هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب كما هو مع أهل العدل وأن جورهم لا يسقط طاعتهم في الجهاد وفيما أشبه ذلك من المعروف .. ) [48] .
وقال النووي في شرح مسلم (13/ 67) : (وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث) .
والمقصود: أن قول الشيخ الألباني في هذه المسألة هو أن أمثالنا من المسلمين في آخر الزمان غير مخاطبين في هذا العصر بالجهاد والإعداد له لكوننا لسنا مؤمنين حقًا، بينما تبين هذه الأحاديث أنه لن يخلو عصر من طائفة تقاتل في سبيل الله مهما كان حال الأمة من القوة والضعف أو البعد عن شرع الله، ثم إننا نقول إنه ليس للمرء أن يحكم على غيره من المسلمين فقد يكون هو غير قادر على الجهاد أو حتى على الإعداد لكن غيره قد يستطيع ذلك فيجب على القادر ما لا يجب على غير القادر، وحينئذ فليس لغير القادر أن ينكر على غيره ممن قدر على إقامة أمر الله فقام به.
قال القاضي ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية (ص16) : (وإن كان العبد عاجزًا عن معرفة بعض ذلك أو العمل به فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك ويود أن يكون قائمًا به) .
[40] فتاوى الشيخ الألباني ص: 258 نقلًا عن الشريط الواحد والسبعين بعد المائة
[41] المصدر السابق ص 448
[42] المصدر السابق ص 451 - 452 نقلًا عن الشريط السادس والثلاثين بعد المائة
[43] أخرجه البخاري (2808) واللفظ له ومسلم (1900)
[44] أخرجه ابن اسحاق كما في سيرة ابن هشام (3/ 95) ، وصححه الحافظ في الفتح (6/ 25) ، وأخرج القصة من طريق آخر عن أبي هريرة أبو داود (2537) والحاكم (3/ 28)
[45] أخرجه البخاري (3062) ومسلم (111)
[46] القصة أخرجها عبد الرزاق (17077) عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين، وهذا سند صحيح إلى ابن سيرين، كما أخرجها ابن أبي شيبة (15593) وسعيد بن منصور (2502) وأبو أحمد الحاكم كما في الإصابة (4/ 173) عن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[47] أخرجه مسلم (156) ، (1923) وأحمد (3/ 345) ، (3/ 384) وابن حبان (6780 - إحسان) وابن الجارود في المنتقى (1031) من حديث جابر بن عبد الله، وفي معناه حديث جابر بن سمرة عند مسلم (1922) ، وحديث عقبة بن عامر عند مسلم أيضًا (1924) ، وحديث عمران بن حصين عند أبي داود (2484) وأحمد (4/ 437)
[48] معالم السنن بهامش سنن أبي داود 3/ 11