فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 83

وبناءً على ذلك -كُلِّه- اشتطّوا في تعصّبهم؛ فذكروا أنّ من استثنى في إيمانه فقد كفَر! وفرَّعوا عليه أنه لا يجوز للحَنَفيّ أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسَامح بعضُهم

-زعموا- فأجاز ذلك دون العكْس! وعلَّل ذلك بقوله: تنْزيلًا لها منزلة أهل الكتاب!!

وأعرِف شخصًا من شيوخ الحنفية خطب ابنتَه رجلٌ من شيوخِ الشافعية، فأبى قائلًا: لولا أنَّك شافعيٌّ!

فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقيٌّ؟!

ومَن شاء التَّوسُّع في هذه المسألة فليرْجِع إلى كتاب شيخ الإسلام ابنِ تيمية:"الإيمان"؛ فإنه خيرُ ما أُلِّفَ في هذا الموضوع" [1] ."

(1) إن تعليق الشيخ -رحمه الله- وشرحه وتقريره مخالفة الطحاوي في مسائل الإيمان للسلف الصالح يتعارض مع ما ثبت عنه -رحمه الله- في وصفه بمشابهة الخوارج كل من قال إن مسائل الإيمان في الطحاوية تمثل عقيدة الإرجاء، وقد أظهرتُ هذا التعارض في كتابي حقيقة الخلاف (36 - 38) في حياة الشيخ -رحمه الله- على هيئة انتصار منه لعقيدة الإرجاء وقول جديد مخالف لما كان عليه سابقًا.

ولولا أني قرأت للشيخ -رحمه الله- ما جاء في الذبّ الأحمد

(32 - 33) وهو متأخر على جوابه سؤال سائل الذي فهمت منه مخالفته لقلت: إن الشيخ -رحمه الله- قد تبنى ما جاء في الطحاوية في أواخر أيامه، وأن هذا التوجه الجديد يلغي ما كان منه -رحمه الله- من نقد وتعليق على مسائل الإيمان التي ورد ذكرها منه على العقيدة الطحاوية.

إلا أنني وبعد وفاته -رحمه الله- وجدتُ في كتابه الذبّ الأحمد ما دفع فهمي السابق وأكد بقاء الشيخ -رحمه الله- على موقفه من الطحاوية، ولكن لِمَ عنَّف الشيخ -رحمه الله- ووصف بمشابهة الخوارج كل من قال: إن الطحاوي في مسائل الإيمان على مذهب الإرجاء؟ هذا ما لم أجد له جوابًا في حياته -رحمه الله-!! وحتى يقف الجميع على أطراف المسألة أعود إلى سؤال السائل وجواب الشيخ -رحمه الله-.

فقد سُئِل -رحمه الله- السؤال التالي:"ظهرت بعض الكتب التي تبحث في مسائل التكفير وأوردوا نصوصًا من كتاب الطحاوي وشرحه لابن أبي العز الحنفي وقالوا: هذه عقيدة المرجئة في مسائل الإيمان فما هو ردّكم على هذه الشبهة وجزاكم الله خيرًا؟"

فأجاب -رحمه الله-: نقول أولًا: إن الخلاف بين أهل السُّنة والمرجئة هو خلاف جذري في ناحيتين:

الأولى: إن أهل السُّنة يعتقدون أن الأعمال الصالحة من الإيمان، أما المرجئة فلا يعتقدون ذلك، ويصرحون أن الإيمان إنما هو إقرار باللسان وتصديق بالجنان (وهو القلب) ، أما الأعمال فليست من الإيمان ولذلك فإنهم يردون نصوصًا كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.

الناحية الثانية: وهي متفرعة عن النقطة الأولى وهي: أن أهل السُّنة يقولون: بزيادة الإيمان ونقصانه، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، أما المرجئة فينكرون هذه الحقيقة الشرعية حتى رووا عن أحد كبارهم أنه كان يقول: إيماني كإيمان جبريل عليه السلام! وفي ذلك مخالفة لكتاب الله تعالى، وذلك لأنه يعتقد أن الإيمان ليس له علاقة بالصلاة والصيام والعبادات والتقوى، وإنما هو مجرد الاعتقاد الذي لا يقبل الزيادة والنقصان لأنه إن نقص عن اليقين دخله الريب والشك، وحينذاك لا يفيد مثل هذا الإيمان، لكن الحقيقة أن الإيمان لا يقبل الجمود فهو كالنور تمامًا يتسع ويتسع إلى ما لا حدّ له، فاتهام الذين أشرت إليهم لأهل السُّنة بالإرجاء في مسألة الإيمان يدل دلالة قاطعة على أحد أمرين أحلاهم مُرّ:

إما أنهم يجهلون هذه الحقيقة، وإما أنهم يتجاهلونها، وإلا فكيف يتهمون من يقول: إن الإيمان يشمل العمل الصالح، وأنه يزيد وينقص بأنهم مرجئة؟!

ويبدو أن هؤلاء كالخوارج: يكفرون من ارتكب كبيرة من الكبائر مخالفين في ذلك نصوصًا كثيرة جدًا من الكتاب والسُّنة فيتهمون جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين شهد لهم رسول الله (أنهم خير القرون، يتهمونهم بأنهم مرجئة، مخالفين بذلك نصوص الكتاب والسُّنة، وهذه في ظني لا تحتاج إلى التوسع أكثر من ذلك"انتهى كلام الشيخ -رحمه الله-، وقد جرى تفريغ كلامه -رحمه الله- ضمن الفتاوى العقدية برقم494."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت