الثانية: أن أولياء الأمور؛ وهم العلماء على قول طائفة من المفسرين يسْتهدى بهم في فهم الكتاب والسنة كما قال تعالى: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ... ) فجعل أولي الأمر وسيلة لفهم الشرع، فَهُمْ وسيلة وليسوا غاية، فإذا خالفوا النص كان كلامهم مردودًا، ولذلك قال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ، فلما لم يذكرهم عند التنازع دل ذلك على أنهم تبع للنص وليس العكس.
الثالثة: أن رد الخلاف والخصومات إنما يكون إلى الكتاب والسنة، دون سواهما من سائر أقوال الناس؛ وأن ذلك دليل الإخلاص والإيمان، فمن لم يكن كذلك لَزِمَ منه أن يكون ليس مخلصًا، ولذلك قال: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ،ودلَّ ذلك - أيضا ً - على ضعف إيمانه.
الرابعة: أن من أعظم وسائل الاهتداء عند وقوع النزاع، هو الرد إلى الكتاب والسنة، فمن رام الحق في مسائل الخلاف لزمه تعظيم الدليل وتقديمه على أقوال الرجال، فهذه علامة الخيرية والاستقامة، ولهذا قال تعالى في نهاية الآية: (ذلك خير وأحسن تأويلًا) ، فعُلِمَ من هذا أن من لم يكن كذلك أنه يكون في تَيْهٍ وضياع كما هو حال كثير من المقلّدة الذين يقلدون أئمتهم على حساب الشريعة كما هو حال المردود عليه.
إذا تقرر لك هذا؛ علمت أن الخلاف عند النزاع يرد إلى الشرع، ولا يعتبر قول العالم حجة بنفسه وإلا كان اتخاذهم في ذلك من جنس اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله -تعالى-.
ولذلك أنكر السلف على من يقدّم قول العالم على النص بهوى وتقليد، كما كان يقول الإمام مالك -رحمه الله-: كلّ يؤخذ من قوله ويردّ إلا صاحب هذا القبر ويشير إلى قبر النبي -عليه الصلاة والسلام-.
وكان يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: عجبتُ لمن يعرف الحديث كيف يذهب لكلام سفيان!
وكان يقول الشافعي -رحمه الله-: إذا رويتُ الحديث فلم آخذ به أشهدكم أن عقلي قد ذهب!
وهذا كثير في السلف والأئمة وهم أعلى كَعْبًا في العلم والفضل من ابن تيمية وغيره من المتأخرين، وإن كان -رحمه الله- إمامًا في أبواب الدين لكن هؤلاء الأئمة أكثر منه علمًا وفضلًا، ولو كان التقليد سائغًا لكان تقليد هؤلاء الأئمة أولى وأسلم من تقليد من جاء