وأما قول ابن تيمية في الوجه الأول (فيعتقدون تحليل ما حرم الله ... واعتقد ما قاله ذلك) ا. هـ، فهذا الكلام خطأ إذا أراد أنه لا يكفر من اتبع [1] التشريع المخالف إلا إذا اعتقد أنه الحق والصواب والأولى بالاتباع، وهذا هو الظاهر من كلام شيخ الإسلام، والدليل على أنه أخطأ في قوله هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه عدول عن المناط المكفِّر الذي اشتمل عليه النص، والمناط المكفِّر هو اتباع التشريع المخالف وطاعته لا اعتقاد أنه صواب أو خطأ، يدل على ذلك قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا -إلى قوله- سبحانه عما يشركون) ، فرتب الشرك على اتخاذهم أربابًا ... ،وعلى هذا فتقيد كفر متبع التشريع المخالف بالاعتقاد -كما قال ابن تيمية- مخالف للنص وعدول عنه.
والوجه الثاني للخطأ في قول ابن تيمية: أنني قد ذكرتُ في تعريف الردة في مبحث الاعتقاد -أنها قطع الإسلام أو الرجوع عنه بقول أو فعل أو اعتقاد ثبت بالدليل كفر فاعله، وهذا لا خلاف عليه بين جميع المنتسبين إلى الإسلام من أهل السنة أو من سائر الطوائف المبتدعة وإن اختلفوا في تعليل كفره .. والحاصل هو كما قال ابن تيمية (وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كَفَرَ بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله) (الصارم المسلول) ... وفي مسألتنا هذه رتب الله الحكم بالكفر على مجرد اتباع التشريع المخالف والعمل به لاعتقاده. فتقييد الكفر بالاعتقاد هنا لا جه له) ا. هـ
الوجه الثالث في الرد على المعترض هو أن يقال: أنه قد تقرر في أصول الإسلام أن فصل النزاع عند الخلاف إنما يردّ إلى الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، دون غيرهما، فلا قول لأحد مع قوله -عليه الصلاة والسلام-، كما قال تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ... ) الآية.
وهذه الآية فيها فوائد منها:
الأولى: أن طاعة الله -تعالى-، وطاعة رسوله -عليه الصلاة والسلام- مقصودة لذاتها، بخلاف طاعة أولي الأمر، فإنها ليست كذلك، ولهذا لم يقل: (وأطيعوا أولي الأمر منكم) كما قال ذلك في حق النبي -عليه الصلاة والسلام-، فدل هذا على أن طاعة أولي الأمر تبع لطاعة الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، فإن خرجوا عن طاعة الله ورسوله، فلا طاعة لهم في ذلك.
(1) لو قال اتخاذ لكان أولى، لأنه أخص من الاتباع، فتنبه.