وأنت رأيت شيخ الإسلام -رحمه الله- هنا، كيف أنه لم يتعرض لمسألة الاعتقاد في هذا الباب- أصلًا-، فعُلِمَ من هذا أن كلامه في تفريعه على آية (الاتخاذ) بمثل ما نقله عنه المعترض محتجًا به زلّة منه -رحمه الله-، فإنه ربما كان أراد الكلام على مجرّد الطاعة كما هو الظاهر من كلامه، لكن ظاهر الآية يردّ تفريعه هذا، فإن الآية تحكي الاتخاذ الذي هو بمعنى (المرجع والمصدر) الذي يصدر ويرجع له المتخذ، ولا ريب أن هذا من التحاكم إلى الطاغوت وهو كفر بإجماع العلماء، وقد صرح بهذا تقي الدين في غير موضع كما أبنتُ هذا -آنفًا وسابقًا-، فلا معنى لتفريعه على الآية هنا إلا الطاعة المجرّدة، كمن يقول لمسلم اشرب الخمر، أو كل الربا، أو غير ذلك من المعاصي الكبار أو الصغار، ثم يطيعه المسلم بذلك، فإن مجرد الطاعة هنا ليس بكفر ناقل عن الملة إلا إذا ضم له الاستحلال، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا، وأما إذا اتخذ المسلم هذا الذي يأمره بالمعصية مرجعًا ومصدرًا في تحليله وتحريمه، فقد اتخذه ربًا مع الله -تعالى-، وهو شرك مخرج من الملة، وهذا الذي يسميه البعض بشرك التشريع، فإنه لا يفعل ذلك أَحَدٌ مِمَّنْ يدعي الإيمان إلا ويكون كافرًا في نفس الأمر، ولا يُنظر إلى دعواه، فإن نفس اتخاذه مشرّعًا من دون الله ورسوله كفر وشرك، وهو كاذب بدعواه هذه، حتى لو فُرِضَ أنه مصدّق في الباطن، فإن هذا الفعل من جنس خرق أعمال القلوب، وهو يكون بذلك خلع ربقة الإسلام من عنقه عند سائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، ولذلك كان تفريع شيخ الإسلام -رحمه الله- لمثل كلامه السابق على هذه الآية تفريعًا خاطئا اغتر به من جاء بعده مثل المردود عليه وأمثاله من المعاصرين، وقد رأيت من نبّه على ذلك من المتأخرين تنبيهًا رائقًا، مثل الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز -فك الله أسره-، فإنه كان حكى كلامًا بديعًا في التعليق على تفريع الإمام ابن تيمية -رحمه الله-، ولم أر هذا لغيره، فكان له قصب السّبق في هذا التنبيه اللطيف، [1] وكان مما قال في هذا الباب كما في كتابه (الجامع في طلب العلم الشريف) (2/ 951) فما بعدها، قال:
(وكلام شيخ الإسلام في التفريق بين الوجهين -بالنسبة لمن يتبعون المشرعين من دون الله -هو في مجمله صحيح، فإنه لو أن رجلًا زين لمسلم شرب الخمر فأطاعه وشربها لكان عاصيا وهو الوجه الثاني في كلام شيخ الإسلام، أما إذا قال هذا الرجل إنه قد جعل الخمر حلالًا لا إثم في شربها فقال له المسلم إنه سيتبع حكمه هذا وأنه كلما جاءه مخمور سيحكم بأنه لا عقوبة عليه فقد كفر المسلم بذلك وهو الوجه الأول في كلام ابن تيمية وهو المعنى المراد بالآية كما يدل عليه حديث عدي بن حاتم، أما الوجه الثاني الذي ذكره فإنه ليس مرادًا بالآية، فإيراده في هذا المقام يحدثُ نوعًا من اللبس.
(1) وانظر كتاب (امتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) للمقدسي هامش 46ص 60.