فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 132

الأوائل، وقد أكفرهم السلف، وهذا الذي نحكيه هو من أعظم ما يلزم هذاالأفّاك المفتري على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

الوجه الثالث: أن ظاهر الآيات أثبتت لهؤلاء المتحاكمين للطاغوت إيمان في الظاهر، فقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ... ) ، فهم في ظاهر أمرهم كانوا مؤمنين، وإنما ظهر نفاقهم حين تحاكموا إلى الطاغوت، فليس من مقصد القرآن كشف أسماء المنافقين والتعريف بهم، فإن هذا ليس من مقصود الشارع، ولو أراد ذلك الشارع الحكيم لما احتاج إلى أن يذكر آيات فيهم تتلى إلى يوم القيامة، فإن ذلك لا فائدة منه، وإنما كان يذكر ذلك للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو -عليه السلام- يُشهِرُ هذا في صحابته، أو يُرسل إليهم من يضرب أعناقهم، وإنما ذكر ذلك في كتابه -جل وعلا- ليبين بذلك لعصبة المؤمنين أن من يفعل هذا الفعل مثل التحاكم للطاغوت، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وهذا مثله يكون إنما يدّعي الإيمان ويزعمه ولا يكون في حقيقة الأمر داخلًا في جماعة المؤمنين، لأجل ذلك يذكر الشارع مثل هذه الآيات في كتابه العزيز، ويبين فيها أن من يرتكب مثل هذه الأفاعيل يكون منافقًا في الباطن وإن زعم أنه مؤمن، فإن فِعاله تلك تُكْذِبُ قولهَ، وبالله التوفيق وعليه التوكل.

الوجه الرابع: أن مما يبين أن هؤلاء المتحاكمين لم يكونوا أظهروا الإيمان من قبل تحاكمهم للطاغوت، فلما تحاكموا نقضوا أيمانهم وأبانوا عن ذلك بنفاقهم، هو أثر ابن عباس السابق ذكره في بداية الباب، والمعترض يصححه وهو حجة عليه، ففيه أن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه، فتنافر إليه أناس من المسلمين، فأنزل الله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون ... ) الآية.

قلت: فتأمل قوله (أناس من المسلمين) ، فدل على أنهم مسلمون في ظاهر أمرهم، وأنهم لم يكونوا قبل ذلك ممَّن عُرِف بنفاق، فلما تحاكموا إلى الطاغوت، وأظهروا ذلك، دلَّ هذا على أنهم منافقون، فكل من يتحاكم إلى الطاغوت مثل قوانين الفرنج الوضعية فهو منافق، وليس بمؤمن وإن زعم أنه يؤمن بالله ورسوله، وأنه يصوم ويصلي ويحج البيت الحرام، فإنه يكون بذلك خارجًا عن ملة الإسلام بنص القرآن الكريم، إذ نفى عنه الإيمان بقوله: (ألم تر إلى الذين يزعمون ... ) والزعم إنما يستعملُ -غالبًا- فيما لم تتحقق صحته، وهو المطلوب هنا، وهذا ينسَحِبُ أيضًا على كل متحاكم إلى غير الكتاب والسنة ولو في مسألة واحدة، إذ لا فرق في هذا الباب بين قليل أوكثير، فالقول في هذا الباب كالقول في مسألة التحليل والتحريم، فلو حرّم المرءُ الشيء المجمع عليه أو حلل الشيء المجمع عليه، سواء في ذلك أكان هذا كثيرًا أو قليلًا، كان كافرًا مرتدًا من كل وجه، وكذلك المبدِّل للشرع يكون كافرًا ولو في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت