قلت: فجعل نفس التحاكم إلى الطاغوت كفر بالله، وأن المتحاكم إليه يكفر به، ولم يُشِرْ إلى مايدّعيه المعترض من أن المتحاكم يبقى مسلمًا حتى يعتقد عدم الكفر بالطاغوت، فإذا اعتقد كان كافرًا!!
والأعجب من ذلك أن هذا الرجل يدعي الانتساب إلى طريقة الشيخ ابن باز، وأنه إمام هذا العصر، فاسمع لكلام شيخه في تعليقه على هذه الآية كما في حاشيته على (فتح المجيد) حيث قال:
(ومثل هذا وشرٌّ منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما عمَّ وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمّى به، ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها) ا. هـ
قلت: فماذا عسى المردود عليه أن يقول في كلام شيخه على هذه الآية؟!، فهذا نقض ظاهر لكلامه، وهذا الكلام الذي نقلته آنفًا عن الشيخ ابن باز -رحمه الله- هو إحدى الأدلة على أن الشيخ ومثله الشيخ ابن عثيمين متناقضان في هذا الباب، وهذا موضع عظيم من كلام الشيخ ابن باز يبين فيه بوضوح كفر الحاكمين بالقوانين الوضعية وأنهم مع ذلك لا تنفعهم صلاة ولاصيام فضلًا عن أن يدَّعوا أنهم لا يعتقدون الكفر بالطاغوت، كما يقول هذا المردود عليه.
الوجه الثاني: أن زعمه في الآية أنها نزلت في المنافقين فلا يلزم ممّن شابههم أن يكون مثلهم، فيقال له يلزمك على ذلك أن كل آية نزلت في المنافقين، فلا يجوز سحبها على من يقع في نفس كفرهم في هذا الزمان حتى يضيف إلى ذلك التكذيب في الباطن أو الاستحلال كما هو حال المنافقين، وهذا كلام عظيم، لا يُعلم أحد ذهب إليه من علماء الأمة، وقائل هذا يجب استتابته حتى يتوب من مقولته هذه، فإنه يلزم على هذا الكلام الفاسد، أن من استهزأ بالله ورسوله -عليه السلام- أن لا يكون كافرًا حتى يضيف إلى ذلك استحلال الاستهزاء بذلك كما هي عقيدة المنافقين الذين نزلت فيهم الآيات، ومنها قوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) الآيات، وهي نازلة في المنافقين باتفاق، فعلى كلام المردود عليه لا يجوز تكفير المستهزىء من المسلمين حتى يضيف إلى استهزائه استحلال ذلك، ولا شك أن هذا كلام ضلال وفجور، ولا يقول به إلا زنديق أو جاهل، وأيضًا، فإنه يلزم على ذلك عدم تكفير الساب لله ولرسوله -عليه الصلاة والسلام- حتى يضيف إلى هذا عقيدة الاستحلال كما هو حال المنافقين، وهذا إرجاء غال ما نطق به أحد، إلا ما يُعرف من كلام الجهمية