فكلام الإمام أحمد في ولاة زمانه ـ مهما بلغوا من الظلم والجور ـ لا يجوز تنزيله على طواغيت الكفر المُشرّعين .. فأولئك الولاة كان ولاؤهم لدين الله ولشرعه وكانوا ملتزمين الحكم به وإن عصوا وجاروا؛ وإنما كانت فتنتهم في باب مشكل من أبواب الدين وهو خلق القرآن وهو من باب (الأسماء والصفات) أو (المسائل العلمية) كما يُسمّيها بعض العلماء .. وجمهور العلماء على العذر بالجهل في كثير من هذه الأبواب وعدم تكفير الأعيان بها إلاّ بعد إقامة الحجّة كما تقدم.
وحكام الزمان وطواغيت العصر الذين ألّف الحلبي كتابه كلّه في الدفع عنهم وشنّ الغارة على من كفّرهم، قد خرجوا من دين الله من أبواب شتّى، منها التشريع وفقًا للدساتير والقوانين الوضعية، ومنها التحاكم إلى الطواغيت المحليّة والإقليميّة والدوليّة. ومنها تولّي الكفّار الشرقيين والغربيين ونصرتهم على الموحدين، ومنها الإستهزاء بدين الله وحماية المستهزئين والترخيص لهم لممارسة استهزائهم وإلحادهم في ظل قوانينهم وعِبرَ وسائل إعلامهم المقروءة والمسموعة والمرئيّة، وغير ذلك من الأبواب الكثيرة التي خرجوا بها من دين الله .. وقد فصّلنا وذكرنا الأدلّة عليها في غير هذا الموضع.
هؤلاء أئمة الكفر الذين قال الله تعالى في أمثالهم: {فقاتلوا أئمة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون} [1] .
هؤلاء المشرّعون المرتدون الحاكمون بشرائع الكفر .. اسمع ماذا قال فيهم علماء أهل السُنّة:
-قال القاضي عياض: (فلو طرأ عليه كفر ـ أي الحاكم ـ وتغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إنْ أمكنهم ذلك، فإنْ لم يقع إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر) انتهى. [2]
-ويقول الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} [3] : (يُنكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المُحكم
(1) سورة التوبة: الآية 12
(2) شرح مسلم للنووي (12/ 229) .
(3) سورة المائدة: الآية