ففي صفحة 485 تجده يتكلّم في عدم تكفير الإمام أحمد ونحوه من أئمة السُنّة للمرجئة لأنَّ كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء ويُسمّي الكلام في مسائلهم (باب الأسماء) وهو من نزاع الفقهاء لكن يتعلّق بأصل الدين فكان المنازع فيه مبتدعًا!!
وتجده بعد ذلك صفحة 486 يتكلّم في الشيعة (المفضّلة) الذين يُفضّلون عليّا على أبي بكر، وأنَّهم يُبدَّعون ولا يُكفّرون.
وكذا القدرية المقرّون بالعلم.
والروافض الذين ليسوا من الغالية .. وكذلك الخوارج.
ثم تكلّم صفحة 487 وما بعدها إلى صفحة 489 حول الجهميّة وأنَّهم رغم مقالاتهم الكفرية فقد اختلف العلماء في تكفير أعيانهم وتخليدهم في النّار وأنَّ أحمد لم يكن يُكفّر أعيانهم، مع أنّه كان يطلق القول في تكفير من قال بتلك المقالات. وسيأتي تفصيل ذلك إنْ شاء الله.
ثم ذكر في صفحة 490 حديث الرجل الذي أوصى أهله إذا هو مات أنْ يحرقوه. وهذا في باب الأسماء والصفات وقال بعدها في صفحة 491: (فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعدما أُحرق وذرّي وعلى أنَّه يُعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك) [1] انتهى.
(1) وقد فصلنا القول في هذا الحديث في كتابنا (الفرق المُبين بين العذر بالجهل والإعراض عن الدين) وبينّا أنّ هذا الدليل خاص بباب الأسماء والصفات .. وأنّه لا يجوز تعدّي حدود الله بتحميله مالا يحتمل أوتنزيله كما يفعل أهل التجهم والإرجاء في الشرك الأكبرالصراح وأبواب توحيد العبادة ومنها (التشريع) !! فقد زاد الإمام أحمد (2/ 304) في رواية لهذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: (لم يعمل خيرًا قط إلاّ التوحيد) وانظر مجمع الزوائد (10/ 194 - 195) .
ولكن جهله كان في جزء من الصفة .. وهو (سعة قدرة الله) وأنّه لم ينكر مطلق قدرة الله وإنما حصل الخلل عنده في سعتها، إذ هو يؤمن أنّ هناك بعث ومعاد وعذاب، وخوفه من ذلك العذاب هو الذي دعاه ساعة الموت والدهشة أن يفعل ما فعل .. فجهله وشكّه لم يكن في قدرة الله على البعث، وإنّما في سعة هذه القدرة، وأنّه سبحانه قادر على جمع ذرّات الخلق جميعهم من البراري والأنهار والبحار .. وهذا أمر يُحار العقل في تصوّره واستيعابه ويحتاج الإيمان به إلى تفصيل الحجّة الرسالية. كما في تعجّب عائشة رضي الله عنها من سعة علم الله؛ لمّا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير) فقالت متعجّبة: (مهما يكتم النّاس يعلم الله!!) ، ثم قالت مُصدّقة: (نعم) والحديث في صحيح مسلم (كتاب الجنائز) ، وفي بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال (نعم) ، وقد أشار شيخ الإسلام إلى موضع جهل الرجل حيث قال بعد قصته، كما هو في كلامه أعلاه: (وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعدما أُحرق وذرّي) انتهى. فتأمّل هذا القيد فهو إذن ليس شكًا مطلقًا في قدرة الله أو إنكارا للبعث والمعاد ـ كما قال بعض المشايخ ـ ولكنّه جهل في سعة هذه القدرة .. وهذا كلّه ليس له علاقة من قريب أو بعيد في خصومتنا مع القوم اليوم إذ هي في الشرك الصراح والكفر البواح.