فإيراد هذه المقتطفات المبتورة في مورد النزاع يُوهم الغِرّ أنَّ شيخ الإسلام لا يرى التكفير في هذه الابواب إلاّ بعد إقامة الحجّة.
وهذا خلاف الحق والصواب .. فقد عرفت فيما تقدّم كلام شيخ الإسلام في التشريع والتزام غير أحكام الله تعالى.
وكلّ من يقرأ لشيخ الإسلام في هذا الباب يعرف أنَّه يُفرّق في العذر بالجهل وإقامة الحجّة بين المسائل الواضحة البيّنة المعلومة من الدين ضرورة، كما هو الشأن في أصل التوحيد الذي بُعث جميع الرسل لأجل تقريره ونقض ما ضادّه من الشرك والتنديد، وقامت فيه الحُجج المتنوّعة كونية وفطرية ورسالية؛ وبين المسائل الخفية التي تحتاج إلى بيان أو التي لا تُعرف إلاّ من طريق الحجّة الرسالية، فهذه هي المسائل التي لا يكفر بها إلاّ بعد إقامة الحجّة.
يقول رحمه الله تعالى:(وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها.
لكن ذلك يقع في طوائف منهم، في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل واليهود والنصارى يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر مخالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك)أهـ. مجموع الفتاوى ج 4.
وهذا التفصيل معروف عنه، ولكن الحلبي طواه بأمانته!! وأعرض عنه ..
ولو كلّف طالب الحق نفسه قليلًا من الجهد، فراجع هذه المواضع التي اقتطعها الحلبي من فتاوى شيخ الإسلام ـ وجميعها في موضع واحد ـ لتبيّن له مثالًا جديدًا من تدليسات وتلبيسات هذا الرجل!!
فالأمر مكشوف واضح البتر؛ ظاهر في نقله الأول المقتطع، وهو قوله:
(لا يجوز الإقدام عليه!!! إلاّ بعد أن تقوم .. إلخ) .