ومثل ذلك ما رواه البخاري ومسلم في النفر الذين سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادته .. فقام بعضهم: (أصوم الدهر ولا أفطر) وقال آخر: (وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا) .. إلى آخر ما قالوه .. ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليهم ذلك، وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني) .. إلا أن هذا كله لا علاقة له بالتشريع أو التبديل كما علمت .. فلا هم شرعوا ولا زعم أحد منهم أن له السلطة التشريعية كما هو حال طغاة العصر .. فلا تغتر بشبه ساقطة كهذه .. فإن هذا كله في واد وواقع طواغيت الزمان في واد آخر ..
سارت مشرّقة وسرت مغرّبا شتان بين مشرّق ومغرّب
فإن الأمر اليوم كما يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي في كتابه (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) ص (376) عن واقعنا، بعد أن سرد نصوصًا من القوانين الوضعية، وحقائق حول الدساتير ونصوصها.
قال:(والآن .. هذا الواقع قد تجاوز حد التشريع المطلق إلى الإقرار الصريح بحق التشريع لغير الله.
بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون - عندهم - لو أرادوا العمل بها إلا بصدورها عمن يملك حق التشريع - عندهم - تعبيرًا عن إرادته، وهذا فقط هو الذي يعطيها صفة القانون فشأنها في ذلك كشأن غيرها من العرف أو القانون الفرنسي أو آراء فقهاء القانون أو ما استقرت عليه المحاكم.
أما صدورها عن الله سبحانه وتعالى فلا يعطيها صفة القانون لأنه - عندهم - ليس مصدر السلطات وليس من حقه التشريع)اهـ.
ويقول ص (367) : (وهذا الواقع قد تجاوز مرتبة المعصية أو البدعة بل قد تجاوز التشريع المطلق إلى ما وراء ذلك، كيف تختلط قضية المعاصي بقضية التشريع مع ما بينهما من البون الشاسع؟) .
(وإذا كانت البدعة متميزة عن المعصية بفوارق واضحة جدًا، وما ذلك إلا لوضعها على مضاهاة التشريع. أفلا يتضح الفرق بين المعصية والتشريع المطلق؟) اهـ.