فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 134

فلا نلتفت بعد هذا إلى تلبيسات مرجئة العصر وإلزاماتهم الكفرية الفاسدة عندما تجادلهم في كفر طواغيتهم المشرعين، فيحتجون بأمثال هذه الآيات ويقولون: (الرسول حرّم فهل هو كافر؟؟) .. {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} [الكهف: 5] فقد علمت مما تقدم أن هذا ليس تشريعًا، وما كان للنبي صلوات الله وسلامه عليه أن يشرع إذ هو ليس بمشرع ولا يحل له ذلك .. إن هو إلا وحي يوحى .. وما هو إلا نذير ومبلغ عن المشرع الواحد الأحد ..

والمعنى الآخر: هو (التحريم) الذي يأتي ويراد به معناه اللغوي المحض، لا الاصطلاحي الشرعي التشريعي .. وهو الامتناع المجرد ومنه قول امرىء القيس:

جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرام

أي"ممتنع". وقول الآخر:

حرام على عيني أن تطعما الكرى وأن ترفئا حتى ألاقيك يا هند

أي:"ممنوع على عيناي".. هذا إن لم يرد اليمين، فيلتحق بالمعنى العرفي الأول.

وقل قال تعالى: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} [القصص: 12] ، فليس المراد في هذا، التحريم التشريعي وإنما المنع فقط. قال القرطبي: (أي منعناه من الارتضاع) وقال: (وهذا تحريم منع لا تحريم شرع) اهـ.

ومثله قوله تعالى: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} [المائدة: 26] ، قال القرطبي: (معنى محرمة: أي أنهم ممنوعون من دخولها) وقال في هذا الموضع أيضًا: (فهو تحريم منع لا تحريم شرع) اهـ.

فتنبه إلى هذا المعنى واعلم أنه غير المعنى التشريعي الذي جعله الطغاة اليوم من خصائصهم وحقوقهم وسلطاتهم هم وأتباعهم وبرلماناتهم، ويتواطؤون عليه ويصطلحون، ويتفقون .. فإن جاءك بعض أوليائهم من مرجئة العصر المجادلين عنهم بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] .. الآية. وقالوا: هؤلاء قد شرعوا، ومع هذا خاطبهم الله بنداء الإيمان .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت