فعمد مرجئة العصر إلى تلك المقولة المنسوبة لابن عباس وما شابهها من أقوال أخرى لبعض التابعين .. كطاووس وابنه وأبي مجلز والتي كانت كلها في شأن الخوارج .. وطاروا بها كل مطير، لينزلوها زورًا وبهتانًا في محل غير محلها وواقع غير واقعها ومقام غير مقامها. بدليل أن هذه اللفظة التي يحتج بها هؤلاء، فيها قول ابن عباس مخاطبًا أناسًا بعينهم، عن واقعة بعينها: (إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه) ، فلفظة (الذي تذهبون) خطاب للخوارج ومن تبعهم في زمانه، في واقعة معلومة معروفة .. فقوله إذًا ليس في تفسير الآية، وإنما في المناط الخطأ الذي علّقها الخوارج خطأ فيه، بدليل أن الآية أصلًا تتكلم عن الكفار المبدّلين لشرع الله يهودًا كانوا أو غيرهم وسيأتي تفصيل هذا .. فهل يُعقل أن يقول ابن عباس أو غيره من أهل الإسلام في تبديل اليهود أو غيرهم لحكم أو حد من حدود الله - كالدية أو حد الزنا - انه كفر دون كفر؟؟ فمقولته هذه إذن - على تقدير صحتها - هي في المناط الباطل الذي أراد الخوارج إنزالها فيه وليست في بيان الآية وتفسيرها نفسها .. فتنبه، ولا تنخدع بتلبيسات الضالين ..
يقول العلامة السلفي أحمد محمد شاكر في تعليقاته على (عمدة التفسير) عن هذه الآثار: (وهذه الآثار - عن ابن عباس وغيره - مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرءاء على الدين: يجعلونها عذرًا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضربت على بلاد الإسلام) اهـ (4/ 156) .