فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 134

هذا من جهة الرواية، أما من جهة الدراية، فنقول: أن قول ابن عباس هذا إن صح - إذ قد صح قريب من معناه عن غيره - فهو رد على الخوارج الذين أرادوا تكفير الحكمين، وعلي ومعاوية ومن معهما من المسلمين لأجل الخصومة والحكومة التي جرت بينهم في شأن الخلافة والصلح وما جرى بين الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري .. إذ تلك الحادثة كانت أول مخرجهم - كما هو معلوم - فقالوا: (حكّمتم الرجال) : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] [1] ولا شك أنهم مخطئون في ذلك ضالون .. إذ ذلك الذي وقع بين الصحابة ولو جار بعضهم فيه على بعض ليس بالكفر الذي ينقل عن الملة بحال، وقد بعث علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس إلى الخوارج يناظرهم في ذلك، فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه، فقال: نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل: {فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها} [النساء: 35] الآية. فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قالوا له: ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا في هذا.

فقال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] .

قالوا: تجعل الحكم في الصيد والحرث، وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلًا، فلسنا بعدول، وقد حكّمتم في أمر الله الرجال).

والشاهد .. أنه بعد هذه المناظرة رجع منهم إلى الحق خلق .. وأصر آخرون على ضلالهم وانشقوا عن جيش علي بعد حادثة الحكمين هذه، وهم أصل الخوارج.

(1) لما قرىء كتاب التحكيم على الناس وسمعه عروة بن حدير أخو أبي بلال قال: (أتحكّمون في دين الله الرجال(لا حكم إلا لله) وشد بسيفه، فضرب دابة من قرأ الكتاب، وكان ذلك أول ما ظهر الخوارج. انظر الفرق بين الفرق في (ذكر المحكمة الأولى) والبداية والنهاية (7/ 278) وغيرها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت