* فالأحناف على سبيل المثال - رغم أنهم يخالفون الجمهور في العمل، وفي دخوله في مسمى الإيمان - ومع هذا فإنهم يُكَفِّرون في أشياء كثيرة يقولها المرء بلسانه أو يفعلها بجوارحه، كأن يشد زنار النصارى على وسطه أو يهدي بيضة إلى المجوس يوم نيروزهم، أو يستعمل كلام الله بدل كلامه كمن يقول في ازدحام الناس: {فجمعناهم جمعًا} [الكهف: 99] أو يتخاصم في مال فيقال له: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فيقول: وما أصنع بلا حول، (لا حول) لا تؤكل خبز، أو يقول: قصعة ثريد خير من طلب العلم. أو قال: لبيك، جوابًا على من قال: يا كافر أو يا نصراني، أو قال لولده: يا ولد المجوسي أو يا ولد اليهودي. أو قال: النصارى خير من المسلمين، أو قال: سلطان زماننا عادل، فيسمي الجور المحرم عدلًا، أو قال: لو دخل فلان الجنة ما دخلتها .. وأمثاله كثير في كتبهم، فهم أكثر الناس خوضًا في هذا الباب .. وقد جمع كثيرًا من مقالاتهم هذه محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي في كتابه (البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات) فراجعه إن شئت.
* ومثل ذلك كثير أيضًا عند الشافعية .. يقول تقي الدين أبو بكر بن محمد الحسيني الشافعي في كتابه (كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار) [1] في تعريف الردة: (هي الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام، ويحصل تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بالاعتقاد، وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لا تكاد تحصر .. ) ثم عدد من الأقوال والأفعال المكفرة الشيء الكثير على نحو ما سقناه لك من كلام الأحناف .. ومن ذلك قوله (431/ 2) : (ولو فعل فعلًا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان مصرحًا بالإسلام مع فعله، كالسجود للصليب أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها فإنه يكفر) اهـ.
(1) طبعة - دار الفكر - عمان.