والآية الثانية: قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان. وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا أو مداراة، أو مشحة بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض، إلا المكره. والآية تدل على هذا من جهتين:
الأولى: قوله: {إلا من أكره} [النحل: 106] فلم يستثن إلا المكره. ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل أو الكلام، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها.
والثانية: قوله تعالى: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} [النحل: 107] فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل، أو البغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين) اهـ.
* ويقول حفيده الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه (التوضيح عن توحيد الخلاّّق في جواب أهل العراق) ص (42) : (المرتد شرعًا: الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو اعتقادًا أو فعلًا) ويقول ص (101) :
(وكما يكون الكفر بالاعتقاد يكون أيضًا بالقول، كسب الله أو رسوله أو دينه أو الاستهزاء به، قال تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 65، 66] .
وبالفعل أيضًا كإلقاء المصحف في القاذورات والسجود لغير الله ونحوهما وهذان وإن وجدت فيهما العقيدة فالقول والفعل مغلبان عليهما لظهورهما) اهـ.
ويقول أيضًا في كتابه (الدلائل) : (وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلًا أنه يكفر) اهـ.