وقالوا: (الخوارج أعذر عندنا من المرجئة) وهذا ليس قولًا على عواهنه، بل هو حق وصدق .. فالخوارج كان من دوافع غلوهم وانحرافهم ابتداء الغضب لمحارم الله وحدوده - زعموا - أما المرجئة فقد أدى مذهبهم [1] إلى تعدي الحدود الشرعية والتحلل من القيود والضوابط الدينية، وفتح أبواب الردة تسهيلًا على الكفار وتيسيرًا للزنادقة.
ولقد شهد عصرنا هذا ردودًا كثيرة جدًا على الخوارج المعاصرين وعلى أهل الغلو في التكفير حتى امتلأت الأسواق بالكتب والرسائل حول ذلك، وقوي في أكثرها التجني، وضعف الإنصاف.
وفي المقابل فقلما نجد من كتب تفصيلًا طيبًا عن الإرجاء، وخصوصًا إرجاء العصر وأهله وحذر من شبهاتهم كما يُحَذِّر من شبهات الخوارج .. [2] .
فلعل كتابنا هذا يسد شيئًا من النقص في هذا الباب، أو يسن سنة حسنة فيشجع أهل العلم على الكتابة فيه بيانًا للحق وكشفًا لزيوف الباطل وشبه المبتدعة التي شوهت الحق المبين .. والله أسأل أن يفتح به آذانًا صُمًا وأعينًا عميًا وقلوبًا غُلفًا ويجعله خالصًا لوجهه الكريم والحمد لله أولًا وآخرًا ..
(1) أقول: (أدى مذهبهم) لأن المرجئة في بادىء أمرهم كان فيهم فقهاء وعُباد وكانت مخالفتهم لأهل السنة فقط في تعريف الإيمان، فمع انهم كانوا لا يرون دخول الأعمال تحت مسمى الإيمان لشبه ألقاها الشيطان عليهم، إلا أنهم لم يتركوا الأعمال ولا هونوا الكفر أو جادلوا عن المشركين .. لكن الإرجاء تطور بعد ذلك وانقسم أهله إلى فرق وطوائف وصل بهم الحال في آخر الأمر إلى ما نتكلم فيه ..
(2) كان هذا قبل اثنتي عشرة سنة، أما اليوم فقد أثلج صدورنا وقرت عيوننا بما سطره كثير من إخواننا الموحدين في هذا الباب.