الصفحة 27 من 42

قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55] .

الشاهد: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} ، وهذا الأمن هنا مشروط بالتوحيد والعمل الصالح في أول الآية: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، وفي آخر الآية: {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} .

قال الإمام القرطبي رحمه الله: (هو في موضع الحال; أي في حال عبادتهمُ الله بالإخلاص، ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم) .

والحقيقة أنّ الأمن الذي يعرف حدّه بالشّرع مشروط بالتّوحيد والعمل الصّالح كما مرّ معنا في الآية من سورة النّور، وكما هو جليّ واضح بيّن في قوله تعالى من سورة الأنعام: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .

وجاء الأمن بمعنى آخر، وهو الأمن من القحط والجدب، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] ، فقد ورد هنا أنّ الله تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجذب، كما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67] .

أفاده الفخر الرّازي رحمه الله الذي قال بعده: (ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم) .

وإن كان المفسّرون منهم من حملها على الأمن من القتل، كالإمام القرطبي الذي استدل بقوله تعالى: {وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 57] ، هذا ولا يخفى أنّ الأمن الأكبر هو أمن يوم القيامة، وهو تبع لأمن الدنيا القائم على التوحيد والإيمان والعمل الصالح، وإلا فما هو إلاّ الهلاك.

كما ثبت في حديث زينب بنت جحش رضي الله عنهما: (يا رسول الله أنَهْلِكُ وفينا الصّالحون؟) ، قال: (نعم إذا كثر الخبث) [1] .

وهذا جلي في أنّ الأمن إنّما هو وقف على أهل التوحيد والعمل الصالح.

(1) صحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم: 5128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت