الصفحة 33 من 38

فما من مصيبة أصيب بها مصاب إلا وهناك ما هو أعظم منها عند غيره، قيل لرجل:

كم لك من الولد؟ قال: تسعة.

فقيل له: إنما نعرف لك ابنًا واحدًا، قال: الحمد لله, كان لي عشرة فقدمت تسعة أحتسبهم عند الباري الرحيم وبقي لي واحد , لا أدري أهو لي أم أنا له؟

لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الممات قليل

وإن افتقادي واحدًا بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل

وهاهي أعرابية اسمها أم غسان كما في عيون الأخبار , فقدت جميع أبنائها وفوق ذاك كف بصرها, مصيبة وأي مصيبة؟! كانت تعيش بمغزلها وتقول:

الحمد لله على ما قضى , رضيت من الله ما رضي لي , وأستعين الله على بيت ضيق الفناء قليل الإيواء.

ثم تصاب مصيبة أخرى بموت جارة لها كانت تبثها أشجانها وأحزانها, فيقال لها: أين فلانة؟

فتقول: الحمد لله على قضاء الله والرجعة لله:

تقسم جاراتها بيتها وصارت إلى بيتها الأدلجِ

وفي العاقبة للأشبيلي:

يروى أن امرأة من الأعراب حجت ومعها وحيدها، فمرض عليها في الطريق ومات فدفنته بمساعدة الركب الذين كانوا معها , ثم وقفت بعد دفنه فقالت:

يا بني , والله لقد غذوتك رضيعًا وفقدتك سريعًا وكأن لم يكن بين الحالتين مدة ألتذ فيها بعيشك وأتمتع فيها بالنظر إلى وجهك.

ثم قالت: اللهم منك العدل ومن خلقك الجور , اللهم وهبتني قرة عين فلم تمتعني به كثيرًا بل سلبتنيه وشيكًا ثم أمرتني بالصبر ووعدتني عليه الأجر , فصدّقت وعدك ورضيت قضاءك فلك الحمد في السراء والضراء , اللهم ارحم غربته واستر عورته يوم تكشف العورات وتظهر السوءات , رحم الله من ترحم على من استودعته الردم ووسدته الثرى.

ثم لما أرادت الانصراف قالت: أي بني لقد تزودت لسفري فياليت شعري ما زادك لسفرك ويوم معادك؟ اللهم إني أسألك الرضا عنه برضاي عنه , استودعك بني من استودعني إياك جنينًا في الأحشاء , ومن يجازي من صبر في السراء والضراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت