فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 159

الحديث", حيث كان النموذج الغربي الحديث هو المعيار الضمني غير المعلن, وإن كان النص المغاربي في كثير من الأحيان يتظاهر بخلاف ذلك."

هذه الصدمة بخطاب المدرسة الفرانكفونية, وسطوة جهازها المفاهيمي, واكتظاظ لغتها الباذخة, وترسانة شواهدها التراثية, ومايتناثر على جنبات نصوصها من أعلام أوروبية رنانة, وما تحيل إليه من تجربة غربية منتصرة, وما تنطوي عليه بعض فقراتها من هالة الغموض المبهر, وشحنها المستمر والمضمر ضد كل ما هو"لا غربي": نجحت في اختطاف التفكير المتوازن, وتصديع الانتماء الدعوي, وإخضاع القارئ لمنطلقاتها الضمنية, والاستسلام لزواياها الخاصة في النظر والقراءة وتقييم الأمور, والتفكير في العالم من خلال شبكتها المفاهيمية ذاتها.

مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية -موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالًا خطيًا تراكميًا من مدرسة إلى التي تليها, بقدر ماكان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.

أزعم أن الجزء الأكبر من فاتورة الارتباك الفكري لدى هذه الشريحة الشبابية المحلية تتحمله الإجابات الخاطئة عن سؤال الحضارة, والتي كانت نتيجة الاصطدام ببريق الخطاب الفرانكفوني تحت ضغوط الحادي عشر من سبتمبر والتي كان وسطنا الثقافي فيها أشبه بالمسافر اللاهث الذي يتعلق بأقرب حافلة لايهددها قراصنة البيت الأبيض, بغض النظر هل كانت تلك الحافلة ستبلغه غايته أم ستنعطف به إلى غاية أخرى.

ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من"أعواد المنبر"فترة التسعينات إلى"قفص الاتهام"بعد سبتمبر بدد شيئًا من جاذبيته الاجتماعية, وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لاتتكئ على نجاحها الخاص, بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.

وهذا يعني -كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر, تمامًا كما أننا نشاهد الهياج والصخب والإدانات العشوائية كأعراض طبيعية تصاحب الوهلة الأولى للحادث المروري ثم تعود الأمور إلى مجاريها وتكمل المسيرة طريقها بمجرد تجاوز آثار الدهشة الأولية.

وقد علَّمنا التاريخ دومًا أن الكساد المرتبط بظروف سياسية ينتهي بنهايتها, ولذلك فإن الجزيرة العربية التي ارتدت لظروف موت الرسول استعاد الخطاب الإسلامي موقعه فيها مباشرة بعد استقرار الخلافة على يد الصديق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت