فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 209

الواحد والعشرين تم تدشينها بعد الضربات القاتلة؛ ومن ثم فهذه الهجمات هي حدث فارق في التاريخ الإنساني؛ لذلك ومهما حاولت أمريكا استعادة توازنها وتأكيد هيمنتها فلن تعود كما كانت قبل انهيار أكبر رموزها .. البنتاجون مبنى وزارة الدفاع الأمريكية القوة العظمى في التاريخ البشري، ومركز التجارة العالمي الذي يناطح السحاب، ويمثل عنوانًا على السطوة الاقتصادية والهيمنة المالية المرعبة للرأسمالية الأمريكية بكل جبروتها وبشاعتها. إن قوة الضربة وجسامتها وخطورتها لم تتمثل فقط في عنفها وقوتها؛ وإنما أيضًا في عدم توقعها وفجاءتها؛ فقد دهمت الهجمات أمريكا من حيث لم تحتسب أو تقدِّر؛ فكل الهم الأمريكي قبل الضربة كان مركزًا على تحقيق الأمن المطلق للمواطن الأمريكي ببناء درع صاروخي يواجه أي هجوم محتمل من دولة خارج الحدود من التي تطلق علىها أمريكا الدول المارقة rough-state ؛ فإذا بالهجوم الكاسح الشرس يأتيها من داخلها، وهو ما لم يعرفه المواطن الأمريكي المعاصر منذ الحرب الأهلية الأمريكية في أواسط القرن التاسع عشر. لقد توارت تمامًا فكرة القارة الحصينة الآمنة التي يحميها محيطان عظيمان هما الأطلنطي والهادي، وتحميها القنابل النووية، كما تعرضت الهيبة الأمريكية للاهتزاز والشك إلى حد اختفاء رئيس الدولة عن العاصمة ذعرًا وهلعًا، وبدت الولايات المتحدة الأمريكية بكل جبروتها في حالة فراغ كامل من السلطة، وكأننا إزاء مشهد من مشاهد الانقلابات العسكرية في أفريقيا. لقد بدت نيويورك وواشنطن عاصمتا السياسة والمال وكأنهما مدينتان للأشباح، ولم تكن آثار الضربة سياسية ومعنوية واستراتيجية فحسب؛ وإنما كان لها آثارها الاقتصادية الهائلة التي ضربت قطاعات حيوية تمثل عصب الرأسمالية الغربية في الصميم، مثل التأمين، والطيران، والبنوك، والبورصات، والاتصالات. لقد جاءت الهجمات الأخيرة لتعيد أمريكا من جديد إلى وضعها الطبيعي دولة يجري عليها ما يجري على الدول الأخرى من عوادي الأزمان وصوارف الدهور، ولعلي لا أكون مبالغًا إذا قلت إن أمريكا قبل الهجمات الأخيرة تلبستها روح التأله والشعور بأنه لا يعجزها شيء [وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ] (يونس: 24) ، ومن ثم فإن فهم السلوك الأمريكي الذي نشاهده أمامنا كل يوم في صورة تحركات وقرارات وضغوط ومساومات وتصريحات وتهديدات لا يمكن أن نفصله عن عمق ما أحدثته الضربة من تأثير عميق في التاريخ الأمريكي وإلى الأبد. بيد أن الدافع الأساسي الذي نعتقد أنه يحرك السلوك الأمريكي هذه الحركة العصبية الواسعة المضطربة يتمثل في الإحساس الأمريكي بأن الهجمة الأخيرة هي مؤشر لا يمكن تجاهله لتأكيد أن القوة الأمريكية دخلت بالفعل طورًا جديدًا من أطوار بدايات الهبوط والانحطاط. والمتأمل في تاريخ الأم وصعود القوى وهبوطها سوف يلاحظ أن بلوغ أي قوة عظمى لمنتهى قوتها يواكبه في نفس التوقيت بدايات حركة عوامل الضعف فالانحطاط، وهذا في العادة يكون أمرًا غير محسوس؛ إذ إن آثاره قد لا تبدو إلا بعد عقود طويلة؛ لكنه في الحالة الأمريكية يعلن عن نفسه أمام الدنيا كلها وكأن الله سبحانه وتعالى يذكِّر أهل الأرض جميعًا بأن سننه لا تغالَب، وقدرته لا تقاوَم، وأن أمره بين الكاف والنون إذا أراد شيئًا فإنه يقول كن فيكون.

ولنذكر مثلًا أخيرًا من كلام أحد المقايضين للعنترية الأمريكية، فالمحلل السياسي [ديفيد يوك] - وهو مرشح سابق للرئاسة وعضو سابق في مجلس النواب عن ولاية [لويزيانا] - يقول في مقال له بعنوان: [لماذا هوجمت أمريكا] : [يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية كي نضع في الاعتبار الأسباب الحقيقية وراء كره العالم لنا ـ إذا اكتملت كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت