أيُّما أصح أن نجزم المضارع بعد الطلب أم نرفعه؟
يذهب كثيرون إلى الجزم غافلين عن مقتضيات المعنى معرضين عن ارتباط الإعراب بالغرض، وأن اختلاف الاعتبار مجلبة لتغير العلامة. والصواب أنه يجوز الجزم في حال ويجوز الرفع في حال. فإن أردنا أن نجعل الفعل الثاني جزاءً للأول مرتبطًا به ارتباط السبب بالمسبب جزمنا إشعارًا بهذه العلاقة الوثيقة فقلنا: (دعِ الطفل، ينمْ) ، فإن لم نرد هذا المعنى رفعنا الفعل فقلنا: (دعِ الطفل ينامُ) والمعنى هنا مختلف إذ هو: دعِ الطفل فهو ينام، أو دع الطفل نائمًا.
وقد جلّى القضية لنا سيبويه في الكتاب. ومما جاء في ذلك قوله:"وتقول: ائتني آتك، فتجزم على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على أن لا تجعله معلقًا بالأول، ولكنك تبتدئه وتجعل الأول مستغنيًا عنه، كأنه يقول: ائتني، أنا آتيك. ومثل ذلك قول الشاعر وهو الأخطل:"
وقال قائدهم أرسوا نزاولُها ... فكل حتف امرئ يمضي لمقدار
وقال الأنصاري [عمرو بن الإطنابة] :
يا مال والحق عنده فقفوا ... تؤتَون فيه الوفاء معترفا
كأنه قال: إنكم تؤتون فيه الوفاء معترفا" [1] ."
ومن أجل ذلك قد يخل الجزم بالمعنى حتى ليصفه سيبويه بالقبح، قال:"فإن قلت: لا تدنُ من الأسد يأكلْك فهو قبيح إن جزمت، وليس وجه كلام الناس؛ لأنك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سببًا لأكله. فإن رفعت فالكلام حسن، كأنك قلت: لا تدنُ منه فإنه يأكلُك. وإن أدخلت الفاء فهو حسن، وذلك قولك: لا تدن منه فيأكلَك." [2] .
ويبين سيبويه تعدد الأعاريب في الفعل المضارع وهو الرفع على الابتداء أي أن يكون الفعل أول جملة مستأنفة، أو أن يكون أول جملة حالية؛ وهو يضرب لذلك مثالًا مطابقًا لما بدأنا به هذه المسألة فيقول:
"وتقول ذرة يقلْ ذاك، وذره يقولُ ذاك. فالرفع من وجهين: فأحدهما الابتداء، والآخر على قولك ذره قائلا ذاك؛ فتجعل يقول في موضع قائل. فمثل الجزم قوله عز وجل {ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ} [3 - الحجر] ، ومثل الرفع قوله تعالى جده: {ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [91 - الأنعام] " [3] .
ونخلص من ذلك كله إلى أن الجزم أو الرفع مرهون بالمعنى مذ كان الإعراب فرعا على المعنى، فلا يعجلن أحدنا إلى تخطئة جازم أو رافع ما لم يكن من أمره جازمًا، وللملامة رافعًا.
(1) سيبويه، الكتاب، 3: 95 - 96.
(2) السابق، 3: 97.
(3) السابق، 3: 98.