هو وليس المطلق، مسؤول عن صناعة التاريخ. والمسلم واثق من أن ما قدره الله للتاريخ في نهاية المطاف هو نتيجة مباشرة لسلوكه هو في التاريخ على المستوى الفردى الشخصى، وكذا على المستوى الجماعى أو المجتمعى.
وفى حين يرى الشيوعى أن التاريخ هو نفسه المطلق وهو ضرورى بالتالى، يرى المسيحى أن التاريخ غير ذى موضوع وغير ضرورى، وشرير. أما بالنسبة للمسلم، فإن التاريخ هو مسرحه ومادته وموضع اختباره ولب الخليقة والغاية من وجودها. وترتيبا على ذلك يعرف الإسلام الملتزم به بأنه الإنسان الجاد في الوجود الذى يتفكر في الخليقة، وينطلق لسانه بالثناء على ربه والإقرار بأنه لم يخلق هذا الكون لعبا ولا عبثا، ويكون من:"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". [1] ، ويخوض غمار الحياة المحفوفة بالمخاطر بالتدخل في عمليات الطبيعة والتاريخ، بأقصى ما هو في استطاعته، ويكون راغبا في أن يحكم له أو عليه بإنجازاته وإخفاقاته في التاريخ. وهكذا يمكن التوحيد، المسلم من النظر إلى نفسه على أنه هو محرك التاريخ، بما أنه هو الخليفة الوحيد الذى بوسعه تنفيذ إرادة الله في التاريخ.
هذا هو المنظور الوحيد القادر على تفسيرهدى النبى صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وتابعيهم بإحسان في صدر الإسلام. فالرسالة التى تنزلت على النبى وهو بغار حراء من ربه بواسطة أمين الوحى جبريل، بعثت به إلى مكة ليعمل وليغير البشر والتاريخ. ولم تدعه تلك الرسالة متعلقا بالحالة التى بدأ تلقيه لها وهو عليها، ولا هى علمته أن يتمنى تكرارها، ويسعى إلى تكرارها هى بذاتها، ولا أن
(1) آل عمران:191.