والمنطق الضرورى المترتب على افترض وجود إلهين أو أكثر هو سعى كل منهم للإنفراد بما خلق، أو بالتابعين له، وتطلع كل منهم إلى العلو على الآخر. ويبين القرآن الكريم مغبة تلك الإستحالة، بقول الله تعالى:" {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [1] . فلن يكون لمثل تلك الإلهة أى جدوى بالنسبة للإنسان ما لم يجهز أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، لأنه لن يتحقق المطلوب الرئيس لتعريف الإله، وهو توفر صفة الأعلى فيه. فلا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى. أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهى موضع شك على الدوام. ولنتدبر قول الله تعالى:"لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ" [2] . وليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سننى ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائى واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها."
وخلاصة ما سبق، أنه لا إسلام إلا بالتوحيد. ومن المؤكد أنه في غيبة التوحيد لا تصير السنة النبوية محلا للشك فحسب، وتهتز صفتها الآمرة، بل تنهار مؤسسة النبوة من أساسها، وينسحب الشك في الآلهة المتعددين المزعومين على رسالاتهم. ومن هنا فإن الاعتصام بمبدأ التوحيد هوحجر الأساس لكل ما يتعلق بالتقوى والتدين والفضيلة. ومن الطبيعى في ضوء ذلك، أن يسمو التوحيد بالملتزم به في ميزان الله تعالى ورسوله، إلى أعلى مقام، ويؤهله لأعظم المثوبة. يقول الله تعالى:" {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [3] ... ."
وفى صحيحى البخارى ومسلم، عن عبادة بن الصامت، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من شهد أن لا إلله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد"
(1) المؤمنون:91.
(2) الأنبياء:22.
(3) الأنعام:82.