الأمر، فإنه من البدهى بالنسبة لنا كمسلمين، أن للثقافة الإسلامية وللحضارة الإسلامية جوهرا معرفيا هو: التوحيد. [1] وهذا الجوهر قابل للوصف والتحليل. وموضوع هذا الفصل هو تحليل التوحيد كجوهر للإسلام، أى بوصفه المبدأ النواة الأسمى الحاكم للإسلام ولثقافته ولحضارته.
فالحضارة الإسلامية تستمد هويتها من التوحيد. فهو الوشيخة التى تربط بين مختلف مكوناتها، على نحو يشكل منها جسدا عضويا متكاملا، نسميه الحضارة. ويربط التوحيد بين العناصر المتباينة، ويصبغها بصبغته، ويعيد صياغتها على نحو تتناغم فيه مع بعضها البعض، ويشد بعضها أزر بعض. ويحول ذلك الجوهر تلك العناصر، دون أن يغير طبيعتها بالضرورة، ويمنحها شخصيتها الجديدة كمقومات له. وقد تختلف درجة التحول الذى يحدثها هذا الجوهر في العناصر على متصل يمتد بين اليسيرة والجذرية. والمراد بالتحويل اليسير هو التأثير على شكل العنصر. أما التحويل الجذرى فهو المتعلق بالتأثير على وظيفته، لأن وظيفة العنصر هى التى تشكل العلاقة بينه وبين ذلك الجوهر. وهذا هو السبب في إنشاء المسلمين علم التوحيد، واعتبارعلوم المنطق وعلم المعرفة وعلوم ما وراء الطبيعة والأخلاق فروعا له.
يقول الله تعالى:" {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، ويقول:" {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ، ويقول:" {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} ، ويقول:" {وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} ،ويقول:"قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا"
(1) انظر في تفصيلات هذه الفكرة: د. اسماعيل راجى الفاروقى: جوهر الحضارة الإسلامية، المسلم المعاصر، المجلد السابع، العدد:27 (1401 - 1981) ص 1 - 27. ونشرت هذه المقالة، والرد النقدى عليها، والرد على ذلك النقد، ضمن كتاب: الإسلام والحضارة، الرياض،1401 هـ/1981، المجلد الثانى ص 583 - 668.