المطلقة تتشكل، في نظر المسلم، من نظامين متقابلين بالكلية: النظام الطبيعى، والنظام المتعالى. ويستقى المسلم من النظام المتعالى القيم الحاكمة لتفاعله مع النظام الطبيعى. وبما أن المسلم يرى أن النظام المتعالى قاصر على الإله الواحد الأحد، فإنه يستبعد بالتبعية أى هداية له في مسيرة حياته ليست نابعة منه. وبذا يمثل التوحيد الخالص لله تعالى، في التحليل الأخير، رفضا لتوجيه الحياة الإنسانية بغير الناظم الأخلاقى الربانى. ومعنى ذلك، أن المسلم يعتبر نظرية المتعة، ومذهب السعادة، وكل النظريات الأخلاقية الأخرى النابعة من النظام الطبيعى ذاته، مجرد هراء. بل إن قبول المرء لأى منها كدليل لحياته، يدخل في باب الشرك، باتخاذ آلهة أخرى مع الله تعالى، كمرجعية للهداية ولمعايرة الفعل الإنسانى. فالشرك بالله، هو في حقيقة أمره، الخلط بين القيم الأولية النفعية، التى هى مجرد وسائل، وبين القيم الأخلاقية التى هى غاية الغايات، والقيمة المطلقة النهائية.
و مقتضى كون المرء مسلما لله، أن يرى بغير لبس، أن الله تعالى وحده، وليس الطبيعة ولا أى مخلوق، هو مصدر إمداده بالمعيار، ولا إرادة مع إرادته. وأساس أمانى الخليقة الأخلاقية هو الهدى الإلهى والنموذج الإلهى والحقيقة والجمال والخير هى مضمون رؤية المسلم. وهذا المحتوى داخل بالنسبة له في نطاق ملكاته العقلية. والمسلم، بالتالى، قيمى التوجه في طرائقه في التأويل الدينى، بوصفه فقيها، بغاية وحيدة هى التعرف على الواجب الأخلاقى الصحيح.
ولا معنى للتبرير بالإيمان عنده، إلا كمجرد مقدمة لولوج ساحة العمل بموجبه. و في ساحة العمل تلك يحقق الإنسان غاية كمالاته، أو غاية سوءاته وانحطاطه. وهو يعرف أنه بوصفه إنسانا، يقف فريدا لا سند له فيما بين السموات والأرض، غير بصيرته القيمية التى تنير له الطريق، وإرادته التى يوجه بها طاقاته صوب تحقيق رسالته على هذه الأرض، وضميره الذى يحرسه من الوقوع في حبائل الهوى والشيطان. وهو ينفرد من بين المخلوقات بالحياة في مواجهة ابتلاء عظيم. ولا يخلصه الله بالقيام بتلك المهمة بدلا منه.
ولا يقف هذا الإبتلاء عند حد أن مهمة حمل الإنسان تلك الأمانة على الأرض، لن تنجز ما لم يقم هو بها بنفسه، بل يتعدى ذلك إلى أنه ليس أمامه من مجال لإعفاء