ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها. ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور، فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها ولا تخليص الحرارة منها، فهم فروا من إضافة الشر إلى خلقه، ومشيئته واختياره، ثم ألزموه إياه وأضافوه إليه إضافة لا يمكن إزالتها مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه، وعلمه بتفاصيل أحوال عباده، وفي ذلك تعطيل ربوبيته للعالمين. فقروا من محذور بالتزام عدة محاذير، واستجاروا من الرمضاء بالنار. وهذا كما نزه الجهمية عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته، فإنه فرار من التحيز والجهة، ثم جعلوه سبحانه في كل مكان مخالطا للقاذورات والأماكن المكروهات وكل مكان يأنف العاقل من مجاورته. ففروا من تخصيصه بالعلو فعمموا به كل مكان. ولما علمت الفرعونية بطلان هذا المذهب فروا إلى شر منه فأخلوا داخل العالم وخارجه منه البتة وقالوا: ليس فوق العرش رب يعبد، ولا إله يصلى له يسجد، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح، ولا عرج بمحمد صلى الله عليه وسلم إليه بل عرج به إلى عدم صرف، ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل السافلين، ومن المعلوم أنه ليس موجودا في أسفل السافلين، فإذا لم يكن موجودا فوق العرش فهذا إعدام له البتة وتعطيل لوجوده. فلما رأت الحلولية وإخوانهم من الإتحادية أشباه النصارى ما في ذلك من الإحالة قالوا: بل هو هذا الوجود الساري في الموجودات الظاهر فيها على اختلاف صورها وأنواعها بحسنها فهو في الماء ماء وفي الخمر خمر وفي النار نار، وهو حقيقة كل شيء وما هيته.
فنزهوه عن استوائه على عرشه وجعلوه وجود كل موجود خسيس أو شريف، صغير أو كبير طيب أو غيره، تعالى الله عما يقول أعداؤه علوا كبيرا. وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه عن قيام الإرادات والأفعال المتجددة به، ثم جعلوا جميع الحوادث لازمة له لا ينفك عنها. ونزهوه عن إرادته وجعلوه لازما لذاته كالمضطر إلى صدوره عنه.
وكذلك المعتزلة الجهمية نزهوه عن صفات كماله لئلا يقعوا في تشبيه، ثم شبهوه بخلقه وأفعاله، وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم وقبح ما يقبح منهم، مع تشبيهه في سلب صفات كماله بالجمادات والناقصات وإن من فر من إثبات السمع