فانظر إلى حكمة الله في حكمه الكوني، حيث يصيب الناس المصائب العظيمة لغايات حميدة، كقوله تعالى ?ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون? ?الروم: 41]، ففيها رد لقول من يقول: إن أحكام الله تعالى ليست لحكمة، بل هي لمجرد مشيئته.
وفي هذه الآية من أسماء الله: العليم، والحكيم. ومن صفاته: العلم والحكمة.
وفيها من الفوائد المسلكية: أن الإيمان بعلم الله وحكمته يستلزم الطمأنينة التامة لما حكم به من أحكام كونية وشرعية، لصدور ذلك عن علم وحكمة، فيزول عنه القلق النفسي وينشرح صدره. اهـ
-وذكر ابن القيم في طريق الهجرتين: ص 225 عن حكمة الله في خرق العادة وتعطيل السنن الكونية
فقال- رحمه الله تعالي:
قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التي ألقى فيها ابراهيم وجعلها بردا وسلاما عن الإحراق لما في ذلك من المصالح العظيمة، وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب، فهكذا سائر أفعاله سبحانه، مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيها عن مقتضياتها وآثارها وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها ويقولون: لا تعطيل في الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة. ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه، فجحد