الصفحة 9 من 37

يتضح مما سبق من هذه الأحاديث كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوجه الصحابة ويحضهم ويعلقهم بمنهج الله الذي هو الكتاب والسنة ولم يكن يعلقهم بشخصه وذاته، وكان يربيهم على هذه الحقيقة الأولية وهو بين ظهرانيهم، ويركز عليها ويذكرهم بها في أكثر من موقف كما سبق؛ وما ذاك إلا لأهمية هذه الحقيقة التي ربما يغفل عنها الناس؛ فكان الواجب تذكيرهم والتركيز عليها، و أيضًا لقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يربي بعضهم بعضًا، ولا غرابة في ذلك؛ فقد رباهم - صلى الله عليه وسلم - على ذلك من قبل، ويذكِّر بعضهم بعضًا بهذه الحقيقة المهمة حقيقة التعلق بالمنهج ونبذ التعلق بالأشخاص؛ فمتى جنحت العاطفة نحو الأشخاص ضعفت النفوس وتقهقرت.

ويظهر ذلك فيما يلي:

1 ـ قال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس - رضي الله عنه: «أن أبا بكر - رضي الله عنه - خرج وعمرُ - رضي الله عنه - يكلم الناس، وقال: اجلس يا عمر. قال أبو بكر - رضي الله عنه: أما بعد: فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى:"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ".قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر - رضي الله عنه -، فتلاها منه الناس كلهم؛ فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها» ، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - قال: «والله! ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت