وهو واقع مؤثر يدل على يقظة الضمير وصدق تمثُّل معاني الإسلام في النفوس .
إن صاحب القضية الذي يعيش لأجلها لابد أن يبرزها في كل مناسبة, وإن القضية التي كانت تهيمن على حياة ابن عمر هي الحياة الآخرة ومافيها من مشاهد أهل الجنة وأهل النار.
فحينما جيء له بالماء المبرَّد تذكَّر حالًا عذاب أهل جهنم وقول الله تعالى فتذكر أن أشهي شيء إلى أهل النار هو الماء , فحصل له ماحصل من هذا التأثر والبكاء الشديد .
وذكر ابن الجوزي خبرًا عن سفيان قال: أراد ابن عمر مرة الصَّدَر من مكة فاتَّخذ له ابن صفوان سفرة - يعني طعامًا لسفره - من نقيٍّ وفالوذج وأخبِصَة - يعني ألوانًا من الطعام الفاخر- وبعث بها إليه , فأُتيَ بها , فلما نظر إليها بكى وقال: ماهكذا كنا , ماشبعت منذ أسلمت , وأمر بها فقسمت على أهل الماء , ودعا بسفرته وقال:لاخير إلا فيما يبقى نفعه غدا (1) .
الله أكبر ما أعظمه من موقف !
إذا كنت يا ابن عمر تبكي لرؤية مظاهر الدنيا وشيء من حياة الترف فلَكَمْ بكى أناس حسرة على الحرمان منها !
ولكن ما أبعد الفرق بين مطلبك الأسمى ومطالب هؤلاء الدَّنِيَّة !
إنه يمثِّل البُعْد الشاسع بين منزلة الآخرة ومنزلة الدنيا .
وإذا كان أبناء الدنيا من أجلها يعملون ومن أجلها يفرحون ويحزنون , فهنيئًا لك يا ابن عمر أن حَظيتَ بتوفيق الله تعالى لتكون من عباد الله المخلصين الذين وضعوا نُصْب أعينهم في هذه الحياة ذلك الهدف الأعلى , ألا وهو ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة .
من أخبار سعيد بن عامر بن حِذْيَم رضي الله عنه: