وهذا يُعدُّ مثلا عاليا في تدبر كتاب الله عز وجل وحضور القلب معه وشدة الخشية منه بالرغم من تكرر تلاوته كثيرا , وإن من يتصور حقيقةً أن الله تعالى سيحاسبه على ما يُخفي ويعلن فإن خوفه من الله تعالى يعظم ومحاسبته لنفسه تشتدّ .
ومثل آخر رواه هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال: وجاء سائل إلى ابن عمر فقال لابنه: أعطه دينارًا , فلما انصرف قال له ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه , فقال: لو علمت أن الله يقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إليَّ من الموت , أتدري مِمَّن يتقبل ؟ إنما يتقبَّل الله من المتقين (1) .
وواضح أن مقصود ولد عبد الله بن عمر هو الدعاء لا الخبر , والدعاء جائز بل مطلوب من المسلم لأخيه , ولكن من شدة خشية ابن عمر من الله تعالى فإنه قارن حالًا بين التقوى وقبول العمل , فخشي أن لايكون من المتقين .
وهذا تواضع عظيم منه حيث لم يَعدَّ نفسه من المتقين مع أنه من أئمَّتهم حيث إنه من السابقين بالخيرات , واستحضار سريع لكتاب الله تعالى ومافيه من هداية وبيان , وإنما يدل ذلك على كثرة تلاوة كتاب الله تعالى مع التدبر لمعانيه .
وهذا منهج بليغ في التربية حيث يشدُّ سامعيه إلى بذل الجهد للوصول إلى درجة المتقين ليتقبَّل الله تعالى أعمالهم الصالحة .
وفيه فهم دقيق لمهمة المسلم في هذه الحياة , حيث أحب الانتقال إلى الآخرة لو ضمن أن الله تعالى تقبَّل منه عمله الصالح , ولكنه يواصل العمل عَلَّهُ يظفر بقبول من الله جل وعلا .
ومثل آخر رواه سمير الرياحي عن أبيه قال: شرب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ماء مُبَرَّدًا فبكى فاشتد بكاؤه , فقيل له: مايبكيك ؟ فقال:ذكرت آية في كتاب الله عز وجل [سبأ:54] فعرفت أن أهل النار لايشتهون شيئًا شهوتهم الماء وقد قال الله عز وجل - يعني عن أهل النار [الأعراف:50] (2) .
(1) صفة الصفوة 1/586
(2) …صفة الصفوة 1/578 .
(2) صفة الصفوة 1/575 .