ولاشكّ أنّ مما يعين إحدى هذه القوى على أن تغلب ما سواها، وتحدث اختلالًا لمصلحتها في تفكير الإنسان وسلوكه: إنما هو قوّة تركيب هذه القوّة، وتميّزها على القوى الأخرى، فعندما تكون القوّة الجسديّة في إنسان ما في أوجها، ويكون ممّن أوتي بسطة في الجسم، وعافية في البدن، فإنّ هذا مما يعينه على أن ينخرط في الاستجابة لرغبات جسده بصورة أكبر ممّن لا يكون كذلك، وعندما تكون قوّة العقل في إنسان ما في أوجها، ويكون ممّن أوتي عقلًا نيّرًا، وذكاء وقّادًا فإنّ هذا مما يجعله يتّجه إلى التفكير والتنظير، والبحث والتأمّل، ويجد في ذلك من اللذّة والمتعة ما ينسيه رغبات قواه الأخرى، وعندما تكون قوّة الروح أو النفس في إنسان ما هي الغالبة، ويكون ممّن أوتي روحًا طموحًا، ونفسًا رقيقة، فإنّ هذا مما يجعله يتّجه إلى الروحيّات والغيبيّات، ويحرص على التعرّف عليها، وتلبية أشواق نفسه منها، وقد يهمل رغبات قواه الأخرى، ولا يبالي بها.
وهنا تتجلّى عظمة الإسلام إذ أمرنا أن نعطي كلّ قوّة من قوانا حقّها، وألاّ نهمل قوّة من القوى، أو نقصّر في حقّها على حساب قوّة أخرى ..
ولا يخفى أنّ وعي هذه الحقائق وإدراكها يعدّ على درجة كبيرة من الأهميّة إذ ينبني عليها سلامة الخطاب الدعويّ، وحسن التعامل مع الناس، وأن يعطى كلّ مدعوّ حقّه من الخطاب الذي يتناسب مع اهتماماته وتوجّهاته؛ فالخطاب العقليّ للإنسان