المذهب الثالث: أنَّه لا يَكون حُجَّةً إلا بدليل.
وهو اختيار أَبِي الحسين البصري والفخر الرازي رحمهما الله تعالى.
واحْتَجّوا لِذلك: بأنّ الحُكْم المُعَلَّق على عَدَد إمَّا أنْ يَكون مفهومه أَزْيَد منه وإمَّا أنْ يَكون أَنْقَص منه ..
فإنْ كان المفهوم أَزْيَد مِنَ العَدَد: ثَبَت الحُكْم فيه مِنْ باب أَوْلَى: كقوله - صلى الله عليه وسلم - {إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثا} (1) ؛ فما زاد عليهما ... لا يَحْمِل خَبَثًا مِنْ باب أَوْلَى.
وإنْ كان المفهوم أَنْقَص مِنَ العَدَد: فإمَّا أنْ يَكون الحُكْم إيجابًا ... أو إباحةً أو حظرًا ..
فإنْ كان الحُكْم إيجابًا: دَلّ على وجوب ما نقص منه: كالأمر بِجَلْد الزاني مائة جَلْدَة، فيُعْلَم منه وجوب جَلْد الخمسين.
وإنْ كان الحُكْم إباحةً: دَلّ على إباحة ما دونه مِمَّا دَخَل تَحْتَه: كَمَا إذا أباح الشارع استعمال القُلَّتَيْن إنْ وَقَعَتْ فيها نجاسة عَلِمْنَا إباحة استعمال قُلَّة منها.
وإنْ كان الحُكْم محظورًا: فلا يَدُلّ على حُكْم ما دونه إلا مِنْ جهة الأَوْلَى: كَمَا لو حظر عَلَيْنَا استعمال قُلَّتَيْن وَقَعَتْ فيها نجاسة لَحُظِرَتِ القُلَّة الواحدة بِتِلْك الصفة مِنْ باب أَوْلَى.
وإذا كان كذلك كان تعليق الحُكْم على العَدَد لا يَدُلّ على نَفْي ما زاد عليه أو نقص إلا باعتبار زائد أو دليل (2) .
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وأَرَى مُنَاقَشَة هذا الدليل: بأنَّه يَجْعَل ذِكْر العَدَد عديم الفائدة حينما
(1) سَبَق تخريجه.
(2) يُرَاجَع: المعتمد 1/ 146، 147 والمحصول 1/ 257، 258 والمنهاج 1/ 296، 297