والنقص، والعسر، وسمِّ ما شئت من أبواب الشرور والخزايا، والرزايا، والمصائب، والمعائب، والمهالك والمفاقر التي تنفتح على من يبتغي الهدى في غير دين الإسلام انفتاحًا لا يمكنه السيطرة عليه أو التحكم فيه.
إن السبيل الذي شرعه تعالى لعباده المذنبين ليتوبوا إليه، ويئوبوا إلى رحمته ومغفرته هو السبيل الذي يكرم الإنسان، ويقدر آدميته، وشخصيته، ويحترم قيمته الإنسانية، وهو سبيل الستر، والكرامة للإنسان، فلا يوجد أحد في الإسلام يطالب العبد المذنب بالاعتراف بين يديه، فلا نبي مرسلًا، ولا ملك مقربًا، ولا ولي ولا تقي، ولا بار، ولا عالم، ولا غيرهم يكون واسطة بين العبد المذنب وبين ربه ليتوب إليه، وإنما الطريق للتوبة ممهد سهل سالك، والباب مفتوح لمن أراد التوبة من ذنوبه، وما على العبد المذنب إلا أن يبدأ السير في طريق التوبة، ويلج بابها المفتوح، والله تعالى سميع قريب مجيب، واسع المغفرة رحمته وسعت كل شئ يغفر الذنوب جميعا وهو الغفور الرحيم؛ قال الله تعالى ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] وهذه الآية الكريمة تعكس منهج الإسلام الرائع البديع في التربية والتهذيب والإصلاح، وفتح أبواب الأمل أمام المذنبين الذين تقحموا وديان المعاصي المظلمة بجهالة منهم بحق الله تعالى عليهم وما يجب له جل وعلا من الطاعة والامتثال لما أمر، والانتهاء عما نهى.
والسوء هنا عام يشمل كل معصية من الكفر فما دونه فرحمة الله أوسع من ذنوب العباد، وهذه الآية الكريمة هي آخر آية نتناولها من الآيات بالبيان مما جاءت فيها التوبة مشروطة بالإصلاح وحده أو مع غيره، ويبقى الحديث عن الآيات التي جاءت التوبة مشروطة بالإيمان وحده، أو بالإيمان مع العمل الصالح سواء ذكر هذا العمل موصوفًا بأنه صالح، أو ذكر مؤكدًا بالمصدر الموصوف بالصلاح عملا صالحًا، وسنتناول هذه الآيات حسب ترتيبها في المصحف، ومن ذلك قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? [2] إن الجو العام الذي تتصل به هذه الآية الكريمة هو في سياق الحديث عن بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، ووعيد الله تعالى لهم بما سينالهم من الغضب والذلة في الحياة الدنيا والآخرة، وبذلك يمكن ترشيح أن يكون الوعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب منهم وآمن، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولفظ الآية عام فيحمل على عموم من عملوا السيئات، ثم تابوا من بعدها وآمنوا، فهم موعودون بقبول توبتهم؛ لأن المغفرة ناتجة عن قبول التوبة؛ والآية تفيد كما يذكر الرازي في تفسيره: أن من عمل السيئات فلا بد أن يتوب منها أولًا، وذلك بأن يتركها أولًا ويرجع عنها، ثم يؤمن بعد ذلك، ويستدل على أن الآية تتناول بلفظها عموم من فعلوا السيئات معللًا لذلك بقوله: لأن قوله ? (يتناول الكل، والتقدير: أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن الله يغفرها له، وهذا من أعظم البشارة والفرح للمذنبين [3] . ويذهب الزمخشري في(الكشاف) إلى أن الآية حكم عام يدخل تحته متخذوا العجل ومن عداهم، فقد عظَّم جنايتهم أولًا ثم أردفها تعظيم رحمته ليعلم أن الذنوب، وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل [4] .
وإذا كانت الآية عامة تشمل كل من عمل السيئات، فإن السيئات تعم كل ذنب كان حتى ولو كان من كفر أو شرك، أو نفاق، أو شقاق كما ذكره ابن كثير في تفسيره [5] ، وتبعه العلامة السعدي [6] . ولكن ما هي دلالات اشتراط الإيمان مع التوبة؟ ولعل الجواب على هذا السؤال يدل على أن الآية متصلة بمن عبد العجل من بني إسرائيل، وهو ما ذهب إليه العلامة ابن عاشور في تفسيره، مع أن كثيرًا من المفسرين ذهبوا إلى عموم الآية، وعلى ذلك يقرر ابن عاشور في تفسيره أن الضمير في قوله تعالى: ? ? ? (يعود على بني إسرائيل الذين عبدوا العجل بأنهم إن تابوا وآمنوا يغفر الله لهم على عادة القرآن من تعقيب التهديد بالترغيب، والمغفرة ترجع إلى عدم مؤاخذتهم بذنوبهم في عقاب الآخرة، وإلى ارتفاع غضب الله عنهم في المستقبل، كما يرى أن المراد بالسيئات ما يشمل الكفر وهو أعظم السيئات [7] .
وعطف الإيمان على التوبة مع أن التوبة تشمله من حيث إن الإيمان توبة من الكفر، إما للاهتمام به لأنه أصل الاعتداد بالأعمال الصالحة عند الله تعالى كقوله: ? ? ? ? ? [8] إلى قوله:
إن مخالفة بني إسرائيل التي ارتكبوها وهي عبادة العجل، دليل على عدم إيمانهم، فالذي ينبغي أن يعبد هو الله عز وجل، فالتلازم بين العبادة لله تعالى وبين الإيمان به قائم لا ينفصل، فما عبده بحق إلا مؤمن، وما عبد سواه إلا كافر. والعبادة هي المظهر الدال على وجود الإيمان، وهي تشمل الانقياد التام لله تعالى في كل شأن من شئون الحياة، وأخص مظاهر العبادة الركوع والسجود وكل ما يدل على التعظيم والتقديس، والناس حين يتوجهون بالعبادة لغير الله فإنما يعبرون عن حالة الجهل التي تغشاهم وتعمي قلوبهم، والتي حالت بينهم وبين إدراك حقائق الفطرة التي فطر الله عليها خلقه من الجن والإنس، وأقام سبحانه هذا الكون على أساسها، وأعلن عنها القرآن الكريم في قول الله تبارك وتعالى: ? ? ? ? ? ? [11] وأرسل سبحانه رسله مبشرين ومنذرين من أجلها ليعلمها الخلق من الجن والإنس، ولتقوم حياتهم على أساسها.
والقرآن الكريم يقرر أن كل من توجه إلى غير الله تعالى بالعبادة فعليه أن يترك ذلك وينخلع منه بالكلية، ويبدأ مرحلة العودة إلى الله تعالى بالإيمان به، ومعرفته لينضم بذلك إلى قافلة التائبين، والقرآن الكريم يبين في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها مدى التلازم بين هجر السيئات والانخلاع منها، وبين الإيمان بالله تعالى، وأن مواجهة تيار المعاصي والذنوب، وما تعجّ به من مغريات وشهوات لابدّ له من إيمان يقوي على هذه المواجهة، وأول طريق هذه المواجهة هو التحول عن السيئات وهجرها والانخلاع عنها بالكلية.
ومشكلة بني إسرائيل حين عبدوا العجل هي أنهم انهزموا إيمانيًا أمام دعاية العجل وأخذوا بخواره وشكله وبريقه، فلم يقدروا على التحول عنه وهجره، بل لازموه وأداموا النظر إليه فسقطوا في عبادته، وهكذا يبين القرآن الكريم هذه القضية ليعيها كل مسلم وليأخذ العبرة والدرس من وراءها، وليتضح للمسلم أن رحمة الله تعالى أوسع من ذنوب العباد وانحرافهم، وأن الفضل والخير كله بيده سبحانه وتعالى.
(1) سورة النحل، الآية (119) .
(2) سورة الأعراف، الآية (153) .
(3) تفسير الفخر الرازي: (15/ 15) .
(4) الكشاف: (2/ 95) .
(5) تفسير ابن كثير: (3/ 478) .
(6) تفسير السعدي: (2/ 154) .
(7) تفسير التحرير والتنوير: (9/ 120) .
(8) سورة البلد، الآية (12) .
(9) نفس السورة، الآية (17) .
(10) تفسير التحرير والتنوير: (9/ 121) .
(11) سورة الذاريات، الآية (56) .