، فما امتحن الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل.» [ابن القيم، 87: 4/ 251] فهؤلاء عندما وجدوا أن بينهم وبين نصوص القرآن ورسمه وألفاظه على وجه الخصوص سدًا منيعًا يحول بينهم وبين تحريف الكلم عن مواضعه، عمدوا إلى تحريف معاني الكلم عن مواضعها، فسلطوا سيف تأويلاتهم على كتاب الله لدرجة ما أبقوا آية على حقيقتها يقول ابن قيم: « .. وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب، وعمت القَرِي، وتأولت الدين بأكمله، فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده.» [المرجع السابق: 4/ 250]
لذا لم يكن الاختلاف الناشئ عن التأويل عند هؤلاء وأتبعاهم سببه الضلال بسبب التأويل، بل الخلاف الناشئ معهم سببه اتخاذ التأويل وسيلة للتضليل الفكري والعقائدي؛ لذا الوسيلة الأنسب مع هؤلاء تكمن في كشف حقيقتهم وزيف تأويلاتهم.
تأويل أملاه تنزيه العقل وإقحامه في غير مجاله.
وهذا واضح جلي عند الفلاسفة المسلمين ومن ورائهم علماء الكلام؛ حيث نزهوا العقل واعتقدوا كماله أو رجحان برهانه على برهان الشرع؛ لذا أقحموه في غير مجاله، وأعطوه سلطانًا فوق سلطانه؛ وكان الفلاسفة في تعاطيهم معه أسرى للبرهان العقلي عند الأمم السابقة، واعتقدوا ضرورة التوفيق بين العقل والنقل، فكان توفيقهم من خلال تأويلهم للنصوص الشرعية، وهذا ما وقع فيه علماء الكلام إلا أنهم كانوا أسرى للعقل نفسه لا للفلسفات السابقة، ومن هنا كان وجه الضلال.
وليس معنى ما ذكرت اتهامًا للعقل، بل العقل وسيلة لإثبات الشرائع ابتداءً واتهامه يترتب عليه اتهام للشرع نفسه لأنه وسيلة لتقريره، بل الاتهام ينصب فقط في إقحام العقل في غير مجاله، فالمعلوم أن العقل محكوم للحواس والحواس محكومة بالمشاهد؛ لذا المشاهد هو مجال العقل ومناط قدراته، وإقحامه بالغيبيات التي لا مدخل لإدراكها إلا من جهة النقل كمعرفه كنه صفات الله وأسمائه أو حقيقة الجنة والنار أو معرفة متى قيام الساعة، أو غيرها من الغيبات هو إقحام العقل لإدراك ما هو فوق قدراته، فإقحامه في الأمور الغيبية لن يتأتى إلا إذا عبر عنها بأسماء معلوم معانيها في المشاهد، وصفات الله وأسمائه جزء من ذات الله سبحانه وتعالى، ومعرفة كنهها فرع عن معرفة كنه الله سبحانه وتعالى، وما يقطع به في هذا المقام أن معرفة كنه الله فوق قدرة البشر أجمعين؛ بل يقصر العقل عن إدراك كنه بعض مخلوقات الله الغيبية كالملائكة أو حقيقة الجنة، والتي لا نعرف عنها مما يشابه الدنيا إلا الأسماء؛ فإذا كان هذا حال مخلوق من مخلوقات الله لا