القسم الثاني: الآيات المتشابهات. أرجح ما قيل في بيان المقصود بالمتشابه أنه اللفظ الذي خفي معناه المراد منه من ذات اللفظ خفاءً لا يسع العقل البشري إدراكه في الدنيا لعدم وجود قرينة تدل عليه، ولم يصدر من الشارع بيان له. [الطبري: 3/ 174؛ القرطبي، 85: 4/ 9؛ الدريني، 97: 137]
وقد صرحت الآية أن أهل الزيغ القلبي يتتبعون المتشابهات بغرض تأويلها لإثارة الفتنة والفرقة بين المسلمين، نقل القرطبي عن شيخه أبي العباس قوله: «متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبًا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلبًا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين .. أو يتبعوه من جهة إبداء تأويلها وإيضاح معانيها أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال.» [القرطبي، 85: 4/ 13]
مدار اختلاف العلماء في الآية السابقة ومنشأ اختلافهم.
يرجع اختلاف العلماء في الآية السابقة على الواو في تعالى: «والراسخون في العلم» هل هي واو العطف فيدخل الراسخون في العلم ضمن من يعلم تأويل المتشابهات، أم هي واو استئنافية فيكون تأويل المتشابه مما استأثر بعلمه الله وحده، لذا وجب الوقوف على قوله تعالى: «وما يعلم تأويله إلا الله» أما ما بعده فهو استئناف لكلام جديد.
مذهب جمهور العلماء.
ما عليه أكثر السلف الصالح بل أكثر العلماء أن الوقف تام على كلمة الله في الآية، والواو بعدها للاستئناف أي ما بعدها كلام جديد مستأنف، وهو قوله تعالى: «والراسخون في العلم» ، وهي مبتدأ خبره قوله تعالى «يقولون أمنا به» ويترتب على هذا القول أن المتشابه استأثر بعلمه الله وحده وأن الراسخين في العلم لا يعلمون أو لا يملكون القدرة على معرفة حقيقته أو تأويله.
مذهب بعض العلماء و أغلبهم من المتأخرين.
يرى بعض العلماء أن الواو عاطفة، بمعنى أن الراسخين في العلم معطوفون على لفظ الجلالة، والعطف هنا يقتضي التشريك في الحكم وهو أنه لا يعلم المتشابه إلا الله والراسخون في العلم؛ لذا هذا الفريق لا يرى بلزوم الوقف على لفظ الجلالة في الآية.
وترتب على هذا القول جواز خوض العلماء في المتشابهات لتبيين المراد بها، وقد تعلق في هذا القول المتكلمون والفلاسفة على اعتبار أنه لا معنى لذكر الرسوخ في العلم في الآية إلا لبيان