فإذا علم هذا فليعلم المكلف أنه مطالب بتحقيق أرجح المصالح فمرجوحها، ودفع أرجح المفاسد فمرجوحها؛ يقول العز بن عبد السلام: «لا يخفى على عاقل أن ( ... ) تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أرجح المفاسد فأفسدها محمود حسن ( ... ) وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، واتفق الحكماء على ذلك» [1]
وهذا لا يعني التهاون في جلب المصالح الأقل أهمية، أو دفع المفاسد الأقل أهمية، فطلب الشارع متساو في هذا وذاك، إنما التفاوت في الرتب، وفي تقديم الأولى حين التعارض؛ يقول العز بن عبد السلام: «طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات، كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة، كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها، إذ لا تفاوت بين طلب وطلب، إنما التفاوت بين المطلوبات، من جلب المصالح ودرء المفاسد؛ لذلك انقسمت الطاعات إلى الفاضل والأفضل، لانقسام مصالحها للكامل والأكمل، وانقسمت المعاصي إلى الكبير والأكبر، لانقسام مفاسدها إلى الرذيل والأرذل» [2] .
فإذا تعارضت المصالح عند المكلف؛ فإن استطاع أن يأخذ بها جميعها، فبها ونعمت، وإن لم يستطع؛ أجرى عليها مقياس الترجيح، فينظر إلى هذه المصلحة من حيث قوتها في ذاتها - ما ذكرناه آنفا من أنها تنقسم إلى ضرورية وحاجية وتحسينية-؛ فإذا تعارض الضروري مع غيره من الحاجي أو التحسيني، قدم الضروري، وإذا تعارض الحاجي مع التحسيني قدم الحاجي، أما إذا تعارضت المصالح في نفس المرتبة؛ ينظر إليها من جهة مقدار شمولها، فتقدم المصلحة الأعم على المصلحة الأخص - كما سبق الذكر.
وخلاصة المسألة: أن المصلحة المرسلة داخلة في هذا الأصل الكلي العام، بحيث «إذا عورضت بمصلحة أهم منها، كان في الأخذ بها فوات الأهم، وذلك نوع من
(1) نفسه: 1/ 5.
(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام:1/ 22.