الصفحة 20 من 24

عاشرا: إن القواعد الشرعية والفقهية تقرر بأن يزال الضرر العام بالضرر الخاص، ولا شك في أن إزالة الضرر الذي يلحق المجتمع من جراء الزواج بنساء أهل الكتاب، أولى بالاعتبار من الضرر الذي قد يلحق الأفراد من منع هذا الزواج أو تقييده، وتفرض الشريعة في هذا الشأن على الحاكم أن يضع من القوانين الإدارية والتنظيمية ما يحمي أطفال المسلمين من التلاعب في مصائرهم مع الأخذ بأيديهم وأيدي آبائهم إلى ما فيه خير الأمة وصلاحها، ليكونوا جميعا لبنة صالحة في جسم الأمة، لا معول هدم وتخريب يقوض أركان هذا الصرح ويعمل على النيل منه خدمة للأعداء وطمعا في متع زائلة، فهل يعي حكام المسلمين في أيامنا الحاضرة خطورة الموقف، وعظم المسؤولية الملقاة على كاهلهم في هذا الجانب الذي يعتبر أهم بكثير من الجوانب التي يثيرونها بين الحين والآخر بشأن تحديد عدد الزوجات، أو وظيفة المرأة في الوظائف السياسية والمناصب العليا، أو إقرار قانون الخلع، أو غير ذلك مما يقف أثره على الشخص نفسه، وقد لا يتعداه إلا في حدود ضيقة. إن الأمر يحتاج إلى جرأة في القرار، وتنازل عن المكاسب الشخصية في سبيل سعادة الأمة وتقدمها وارتفاع شأنها بين الأمم، ورحم الله الشاعر الجزائري الأمين العمودي الذي قال مداعبا احد أصدقائه المتزوج بأجنبية [1] :

حيوا الحكيم ولا تنسوا قرينته

فهو سليمان والمادام بلقيس

له غلام أطال الله مدته

تنازع العرب فيه والفرنسيس

لا تعذلوه إذا ما خان أمته

فنصفه صالح والنصف موريس

ولعل في هذه الأبيات اجمل تصوير وأبلغه فيما يعيشه من ينتمي إلى اكثر من تبعية في دينه وأخلاقه ومكونات سلوكه، أليس الأولى أن نستمع إلى نداء الحق ولا نجعل أصابعنا في آذاننا ونستغشي ثيابنا فنكون من الذين يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم [2] .

وإنني لأوصي الباحثين في هذا المقام على إجراء الدراسات المقارنة التي تلزم لاستكمال جوانب موضوعات هذا البحث.

(1) ونيسي زهور، الزواج بالأجنبيات والأجانب وأثره على الأسرة، قسنطينية، الملتقى الرابع للفكر الاسلامي، 1970، ص 109.

(2) كنت قد تحدثت في مبحث مستقل عن موقف قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي من الزواج بالكتابيات ولكنني قمت بحذفه نظرا لما تحدده المجلات المحكمة من الصفحات القابلة للنشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت