بالحق له وسائل، وهي من خطوات الشيطان التي يكون بسلوكها واقتحامها الوقوع في القتل، والشرك الأكبر المخرج عن الملة له وسائل، وهذه الوسائل هي من خطوات الشيطان التي يكون بسلوكها الوقوع في الشرك وهكذا، فقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} هي في الحقيقة ناصة على تحريم الوسائل والذرائع التي يكون بسلوكها الوقوع في عين المحرم، ومن اتقى هذه الوسائل فإنه إن شاء الله سيكون في منعة عظيمة وفي حصن حصين من الوقوع في الحرام، فوالله الذي لا إله غيره إن غالب من وقع في المحرم تحريم مقاصد، إنما هم أولئك الذين وقعوا في المحرم تحريم وسائل، ولو سبرت حال الناس لوجدت ما ذكرته لك صحيحا، ثم أقول:- إن المأمورات قسمان:- مأمورات مقاصد ومأمورات وسائل، كما ذكرنا، وإنك لتجد في الغالب أن الشيطان لا يأمر العباد بترك المأمور أمر مقاصد إلا بعد أن يملي عليه ويجلب بخيله ورجله على أن يترك المأمور أمر وسائل، لأن الخبيث يعلم علم اليقين أن من كان محافظا على المأمور أمر وسائل فإنه في منعة وحصن حصين من ترك ما أمر به أمر مقاصد، ولكن من تساهل في المأمور أمر وسائل فإنه سيكون فريسة سهلة في حبائل الشيطان في ترك المأمور أمر مقاصد، وبالجملة:- فإن الشيطان إنما يأتي إلى النفس أولا في التساهل بما نهي عنه نهي وسائل، ومن ثم يأتي لها في أمرها بفعل المنهي عنه نهي مقاصد، ألا ترى أن السارق إن وجد الباب والنوافذ موصدة، فإنه ييأس من سرقة ما في الدار بل لا بد أولا أن يكسر هذه الأقفال حتى يصل إلى مقصوده بغاية اليسر والسهولة، فسبحان الله حتى السُراق واللصوص قد تقررت عندهم هذه القاعدة، فهي في الحقيقة قاعدة تقتضيها الفطرة كما اقتضاها العقل، وأيد ذلك اقتضاء الشرع لها، فهي قاعدة فطرية عقلية شرعية، فباب الوسائل هو القفل على المنهيات، فإن كسر القفل سهل تناول المنهيات وهان على النفس اقترافها ولعلك بهذا التوضيح قد فهمت ما نريد إثباته لك في هذه الوريقات، وعلى ذلك وردت الشريعة وقررت أدلة الدين، وأنا أذكر لك الأدلة إن شاء الله تعالى على أنها أدلة وفروع، فأقول وبالله تعالى التوفيق، ومنه أستمد العون والفضل:-
(فمنها) لقد تقرر في الشرع أن أعظم المنهيات في الدين هو الشرك الأكبر، قال تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} وقال تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا} وقال تعالى {وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} وقال تعالى {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( حق الله على العبيد أن يعبوه ولا يشركوا به شيئا ) )والنصوص في تحريم الشرك لا تكاد تحصر إلا بكلفة، وتحريم الشرك لا يخفى على الجميع أنه تحريم مقاصد، وقد سد الله تعالى كل ذريعة تفضي إلى الشرك الأكبر أحكم سد، ومنع كل طريق يوصل إليه، ونحن قررنا في ذلك قاعدة مهمة غاية الأهمية تقول (كل ذريعة تفضي إلى الشرك الأكبر فالواجب سدها) وعلى ذلك فرع الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى أبوابا كثيرة في كتاب التوحيد كلها تدخل تحت ما حرم تحريم وسائل، وسيأتي طرقها في الفروع والأدلة إن شاء الله تعالى, والمهم أن تحفظ هذه القاعدة في باب وسائل الشرك الأكبر، فأي وسيلة توصل إلى الوقوع في الشرك الأكبر فهي محرمة، بل وبعض أهل العلم رحمهم الله تعالى قد أطلق عليها (الشرك الأصغر) فقال (وسائل الشرك الأكبر شرك أصغر) وليس هذا ببعيد، فالواجب على المرء الناصح لنفسه أن يبتعد عن الشرك كله، ويجانبه المجانبة الكاملة، ويحذر منه مقصدا ووسيلة
فمن وسائل الشرك الأكبر:- تعظيم القبور التعظيم المفضي إلى إخراجها عن الجائز شرعا إلى الممنوع فيها أو عندها شرعا، كالبناء عليها، فالشريعة ما حرمت البناء على القبور إلا لأن البناء عليها يوصل إلى تعظيمها التعظيم الشركي، ولذلك لا تجد قبرا من القبور التي عبدت من دون الله تعالى إلا وهي مبني عليها، بل بعضها بني عليها البناء الفخم الكبير، وزوقت تزويقا لا مزيد عليه ولذلك فالمتقرر في الشريعة تحريم البناء على القبور، قال الإمام مسلم في صحيحه:- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ .. وهذا نهي، والمتقرر في القواعد أن النهي يقتضي التحريم، إلا لصارف، وقال مسلم في صحيحه:- حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ أَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِىِّ قَالَ قَالَ لي عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ أَلاَّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بعثني عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالًا إِلاَّ طَمَسْتَهُ وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ. والمراد