اختلف الفقهاء في حكم سؤر الهرة ونحوها كالفأرة والحيّة على قولين:
القول الأول: سؤر الهرة ونحوها طاهر يجوز شربه والوضوء به ولا يكره · روي عن علي وابن عباس وأبي قتادة، وأبي أمامة، وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم (2) ، وبه قال مالك (3) ، والشافعي (4) ، وأحمد (5) ، والأوزاعي (6) ، وأبو يوسف (7) ، والحسن بن صالح (8) ، وإسحاق (9) ·
القول الثاني: سؤر الهرة ونحوها طاهر مكروه · وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (01) ، وابن أبي ليلى (11) ، وطاووس (21) ، وابن سيرين (31) ، والحسن البصري (41) ، وغيرهم (51) · وبه قال من الصحابة ابن عمر (1) ، وأبو هريرة (2) رضي الله عنهما ·
الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
أولًا: ورد عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت نعم، فقال: إن رسول الله قال: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات) · وفي لفظ (والطوافات) (3) ·
قال ابن قدامة: وقد دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهرة، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا (4) ·
ثانيًا: روى داود بن صالح بن دينار التمار عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة رضي الله عنها فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضعيها فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله قال: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) · وقد رأيت رسول الله يتوضأ بفضلها (1) ·
قال البغوي: قوله: (إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات) يتأول على وجهين:
أحدهما: شبهها بالمماليك وبخدم البيت الذين يطوفون على أهله للخدمة كقوله تعالى: طوَّافون عليكم بعضكم على بعض (2) · يعني المماليك والخدم ·
والآخر: شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة، يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة (3) ·
وقال المباركفوري بعد ذكره للوجهين عن البغوي: والأول هو المشهور وقول الأكثر