الصفحة 35 من 45

في الأدب المفرد من حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية، قالت: «مرّ بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في جوار أتراب لي فسلّم علينا، وقال: إياكن وكفر المنعمين؟ وكنت من أجرئهن على مسألته، فقلت: يا رسول الله وما كفران المنعمين؟ قال: لعل إحداكن تطول أيمتها بين أبويها ثم يرزقها الله زوجًا ويرزقها منه ولدا فتغضب الغضبة فتكفر، فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط» [1] .

فالظاهر أن مثل هذا المجلس يضم في العادة: الكبيرة والصغيرة فيؤخذ منه الجواز من حيث المبدأ، ولا دليل في الخصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم، تلك التي أشار إليها الحليمي والتي أسسها على العصمة، ولو كان كذلك لورد النهي ولما حدث من الصحابة رضي الله عنهم السلام على تلك المرأة ولما جاز لجبريل عليه السلام أن يقرئ السلام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. ولهذا يرجح رأي الحليمي والمتولي مع الملحظ الذي أخذه عليه ابن علان حيث كان المناط عندهم في التحريم والإباحة الفتنة وعدمها. نعم فإن الجمال أو الجاذبية بصورة عامة هي مظنة الافتتان، فقد تكون شابة غير فاتنة، وقد تكون عجوزا بيد أنها مثيرة أو مطمع لمن في قلبه مرض. وإذا كانت الفتنة هي الأمر المخوف فلتكن هي مناط التحريم للسلام بين الرجل والمرأة.

وحيث لا فتنه فأي بأس بالسلام مذكرًا بالله وقيوميته مؤمنا للمسلَّم عليه من شر المسلّم وأذاه، راجيًا له الخير في الدنيا والآخرة.

هؤلاء لهم حكم خاص بهم وهو:

اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار إما أن يكونوا محاربين لنا، وإما أن يكونوا غير محاربين بأن يكون بيننا وبينهم عقد صلح، أو عقد ذمة وعهد مسالمة يكونون بمقتضاه خاضعين لسياسة الحكم الإسلامي، قائمين بما يفرض عليهم من واجبات تجاه الدولة الإسلامية والشعب المسلم، ففي الحالة الأولي -وهي حالة الحرب القائمة بينهم وبين المسلمين- لا يجوز أن نسلم عليهم ولا أن نرد عليهم السلام لأن السلام دليل المودة ولا مودة بيننا وبينهم من أي نوع كان، أما إن كان بيننا وبينهم عقد هدنة، أو صلح، أو كانوا في ذمتنا وعهدنا فإن العلماء قالوا: لا ينبغي لنا أن نبدأهم بالسلام، ومن بدأهم بالسلام فقد ارتكب محرمًا على رأي أكثر العلماء، أو مكروهًا على رأي الأقل، وما ورد خلاف ذلك فهو شاذ، لا يعبأ به لعدم الدليل عليه، والأصل في هذا الحكم

(1) البخاري في صحيحه: ك الإيمان: ب كفران العشير 1/ 14 ومسلم في صحيحه: ك الكسوف: ب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار 2/ 626 ح 17. والبخاري في الأدب المفرد ص 153 ح 1048.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت