الصفحة 34 من 45

والمقصود هنا من السلام هو إلقاء السلام وإقراؤه وليس المصافحة، بدليل حديث جبريل عليه السلام، وحديث أسماء و السلام له مفهومه وحكمه والمصافحة لها كذلك مفهوما وحكمها وقد اختلف الشراح عند تعليقهم على هذه الأحاديث على النحو التالي:

قال الحليمي: كان النبي صلى الله عليه وسلم للعصمة مأمونًا من الفتنة، فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم، وإلا فالصمت أسلم [1] .

وإلى هذا الرأي ذهب المهلب فيما نقل عنه ابن بطال من قوله: سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أُمنت الفتنة. وإلى هذا أيضا ذهب الإمام أبو سعد المتولي أحد علماء الشافعية لكن بتفصيل نقله عنه النووي؛ فهو يقول فيما يتعلق بالسلام بين الرجل والمرأة: إن كانت زوجته أو جاريته أو محرمًا من محارمه فهي معه كالرجل، فيستحب لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام ويجب على الآخر رد السلام عليه. قال ابن علان [2] في تفسير هذا أي يحرم على الشابة ابتداء الأجنبي بالسلام والرد عليه، [يعني بينما يُكره بالنسبة للرجل حيث فارقُ كراهتها له من الرجل بأن ابتداءها وردها يطمعه فيها أكثر بخلاف ابتدائه ورده.

والكوفيون يشددون فيقولون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لأنهن منعن من الآذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثني المحرم فيجوز لها السلام على محرمّها [3] وهذا الرأي يرده حديث سهل، فإن الرجال الذين كانوا يسلمون عليها وتطعمهم لم يكونوا من محارمها [4] .

كما يرده حديث أسماء بنت يزيد حيث لم تكن النساء اللائي ذكرن في الحديث محارم للنبي صلى الله عليه وسلم. وذلك إن لم نقل بالخصوصية- أما المالكية فقد علقوا الجواز بكبر السن حيث فرقوا بين الشابة والعجوز فأباحوه بالنسبة للعجوز، ومنعوه بالنسبة للشابة سدًا للذرائع وعلى هذا مشى ابن القيم، حيث قال في زاد المعاد- تعليقا على حديث العجوز: وهذا هو الصواب في مسألة السلام على النساء، يُسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن [5] .

وحاصل بين هذا وبين المالكية التفصيل في الشابة بين الجمال وعدمه فإن الجمال مظنة الافتتان بخلاف مطلق الشابة، فلو اجتمع في المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة بيد أن هذا من المالكية وابن القيم يرده ما رواه الترمذي بإسناد حسن وأبو داود والبخاري

(1) فتح الباري 11/ 33 - 34.

(2) الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية 5/ 333 - 334.

(3) فتح الباري 11/ 34.

(4) سبق تخريج حديث سهل.

(5) فتح الباري في الموضع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت