الصفحة 43 من 48

أو ما سمعت أن"من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه"؟ أما لك عبرة في أقوام جمعوا فحازه سواهم, وأمَّلوا فما بلغوا مناهم؟

كم من عالم جمع كتبًا كثيرة ما انتفع بها! وكم من منتفع ما عنده عشرة أجزاء! وكم من طيب العيش لا يملك دينارين! وكم من ذي قناطير منغَّص!.

أما لك فطنة تتلمح أحوال من يترخص من وجه فيسلب منه من أوجه؟

ربما نزل المرض بصاحب الدار, أو ببعض من فيها , فأنفق في سنته أضعاف ما ترخص في كسبه, والمتّقِي معافىً.

فضجت النفس من لومي, وقالت: إذا لم أتعدَّ واجب الشرع فما الذي تريد مني؟

فقلت لها: أضِنُّ بك عن الغَبَن, وأنت أعرف بباطن أمرك.

قالت: فقل لي ما أصنع. قلت: عليك بالمراقبة لمن يراك, ومثَّلي نفسك بحضرة معظَّم من الخلق, فإنك بين يدي الملك الأعظم , يرى من باطنك ما لا يراه المعظمون من ظاهرك.

فخذي بالأحوط, واحذري من الترخُّص في بيع اليقين والتقوى بعاجل الهوى.

فإن ضاق الطبع مما تلقين, فقولي له: مهلًا , فما انقضت مدة الإشارة. والله مرشدك إلى التحقيق , ومعينك بالتوفيق [1] .

سأل رجل وكيعًا عن المكاسب فضيَّقها عليه فقال: يا أبا سفيان! من أين نأكل؟ قال كُلْ من رزق الله, وارجُ عفو الله.

والله عز وجل أحل الطيبات وحرم الخبائث كما قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [2]

والأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم وهذا منَّة من الله عز وجل على عباده. قال الحسن: إن هذه المكاسب قد فسدت, فخذوا منها القوت, أي شبه المضطر [3] 0

قال أبو العباس بن عطاء: تولَّد ورع المتورعين من ذكر الذّرَّ والخردلة, وإن ربًّا يحاسب على اللحظة والهمزة واللمزة لمستقص في المحاسبة, وأشد منه أن يحاسبه على مقادير الذرة وأوزان الخردلة, ومن يكن هكذا حسابه لحريٌ أن يُتقى [4] 0

وتأمل أخي المسلم في واقعة عجيبة وفهم ثاقب ورؤية للآخرة بمنظار التقوى والورع!

خطب رجل إلى الحسن فكأن السفير بينهما قد رضيه , فذهب يومًا السفير يثني عليه بين يدي الحسن,

فقال: يا أبا سعيد, وأزيدك أن له خمسين ألف درهم, قال:

(1) صيد الخاطر، ص 215.

(2) سورة الأعراف، الآية: 157.

(3) الورع لابن أبي الدنيا، ص 118.

(4) الزهد الكبير للبيهقي، ص 315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت