الصفحة 44 من 66

مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [[1] ] [البقرة: 19] .

(1) وهذا مثَلٌ «مائىٌّ» ضربَّه اللهُ لصنفٍ آخر من المنافقين (الْمُقَلِّدِينَ) الذين لم يذوقوا طعمَ الإيمان أبدًا؛ لأنهم كفارٌ من الأصل؛ لكن أظهروا الإسلامَ خوفًا؛ فهؤلاء ليسوا على هدًى.

-قال ابنُ القيم - رحمه الله: الصَّيِّب: المطر الذي يصُوبُ من السماء، أي: ينزل منها بسرعة، وهو مَثَل القرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، فأدرك المؤمنون ذلك منه، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا خطر لها، فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق، وهو الوعيد والتهديد، والعقوبات والمَثُلات التي حذر اللهُ بها من خالف أمره، وأخبر أنه مُنْزِلُها بمن كذَّب رسوله، أو ما فيه من الأوامر الشديدة، كجهاد الأعداء، والصبر على اللأواء، والأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إرادتها، فهي كالظلمات والرعد والبرق، ولكن مَنْ عَلِمَ مواقع الغيث وما يحصل به من الحياةِ لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق، بل يستأنس لذلك، ويفرح به لما يرجو من الحياة والخِصْب.

وأما المنافقُ فإنه لِعَمَى قلبه لم يجاوز بصرُه الظلمةَ، ولم يَرَ إلا برقًا يكاد يخطف البصر، ورعدًا عظيمًا وظلمة، فاستوحش من ذلك وخاف منه، فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد، وهالَه مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعِظَمُ نوره، فهو خائف أن يختطف معه بصره؛ لأن بصره أضعف من أن يثبت معه، فهو في ظلمةٍ يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف، فإن أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه، وأن فقد الضوء قام متحيِّرًا لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصَّيِّب الذي به حياةُ الأرض والنبات، وحياتُه هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدًا، وبرقًا، وظلمةً، ولا شعور له بما وراء ذلك، فالوحشةُ لازمةٌ له، والرعبُ والفزعُ لا يفارقه.

وأما من أَنِس بالصَّيِّب وعلم ما يحصل به من الخيرات والحياة والنفع، وعلم أنه لابُدَّ من رعد وبرق وظلمة؛ بسبب الغيم أستأنس بذلك ولم يستوحش منه، ولم يَقْطَعْهُ ذلك عن أخذه بنصيبه من الصَّيِّب.

فهذا مَثَلٌ مُطابقٌ للصَّيِّب الذي نزل به جبريل من عند رب العالمين تبارك وتعالى، على قلب رسول الله؛ ليُحْيِيَ به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصَّيِّب المائىَّ، حكمةً بالغةً، وأسبابًا منتظمةً نظَّمها العزيز الحكيم.

فكان حظ المنافق من ذلك الصَّيِّب سحابُه ورُعُودُه وبُروقُه فقط، لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقَّنه المُبْصِرُون العارفون، فبصره في المثل الناري كبصر الخُفاش نحر الظهيرة، وسَمْعُه في المثل المائي كسَمْعِ من يموت من صوت الرعد، وقد ذُكِر عن بعض الحيوانات أنها تموت من صوت الرعد.

وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهاتٌ شيطانية، وخيالاتٌ فاسدة، وظنونٌ كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت فيها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكَثُرَ بها قِيلُها وقالُها، فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دويانها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء، والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمُكَثِّرين لسوادهم عددًا، وما أقلهم عند الله وأوليائه قدرًا.

[الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب 128 - 130 منشورات المجمع]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت