أَضَاءَتْ لَهُمْ نَارُ الْإِيمَانِ فَأَبْصَرُوا فِي ضَوْئِهَا مَوَاقِعَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، ثُمَّ طُفِئَ ذَلِكَ النُّورُ، وَبَقِيَتْ نَارٌ تَأَجَّجُ ذَاتُ لَهَبٍ وَاشْتِعَالٍ، فَهُمْ بِتِلْكَ النَّارِ مُعَذَّبُونَ، وَفِي تِلْكَ الظُّلُمَاتِ يَعْمَهُونَ {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [1] [البقرة: 17] .
(1) هذا مثَلٌ «نارىٌّ» ضربَّه اللهُ لرؤساء المنافقين (الْمُنَاظِرِينَ) .
-قال ابن القيم - رحمه الله: قال تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} ولم يقل: بنارهم؛ لأن النار فيها الإحراق والإشراق، وأبقى عليهم ما فيه الأذى والإحراق.
وكذلك حال المنافقين: ذهب نورُ إيمانهم بالنفاق، وبقي حرارةُ الكفرِ والشكوك والشبهات تغلي في قلوبِهم، وقلوبُهم قد صلِيَتْ بحرِّها وأذاها وسمومها وَوَهَجَهِا في الدنيا، فأصلاها اللهُ تعالى إياها يوم القيامة نارًا موقدةً تطَّلع على الأفئدة.
فهذا مَثَلُ من لم يَصْحَبْهُ نورُ الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق، عَرَفَ ثم أنكر، وأقر ثم جحد، فهو في ظلماتٍ أصمُّ أبكمُ أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار: ... {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [الأنعام: 39] . وشَبَّه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مُسْتَوقِدِ النار وذهابِ نورِها عنه بعد أن أضاءت ما حوله؛ لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين، وصلاتِهم معهم، وصيامِهم معهم، وسماعِهم القرآن، ومشاهدتِهم أعلامِ الإسلامِ ومناره، قد شاهدوا الضوءَ ورأوا النورَ عيانًا؛ ولهذا قال تعالى في حقهم {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} إليه؛ لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبَّسوا به، واستناروا به فهم لا يرجعون إليه.
وقال تعالى في حق الكفار: {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا به، بل لم يزالوا في ظلمات الكفر، صم بكم عمي.
[الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب 126،125
منشورات المجمع، بتصرف يسير]