فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 555

ومن ذلك أيضًًا ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل (1) شعره وكان المشركون يفرقون (2) رؤوسهم وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه" (3) ، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم مخالفة المشركين على مخالفة أهل الكتاب فيما لا يمكن العمل فيه إلا بأحد أمرين: إما موافقة المشركين فيكون بذلك مخالفًا لأهل الكتاب، وإما موافقة أهل الكتاب فيكون بذلك قد خالف المشركين، فكان يختار في ذلك مخالفة المشركين ولو كان في ذلك موافقة لأهل الكتاب؛ لأنه وإن كان أهل الكتاب على ضلال، فإن المشركين أبعد عن الحق وأضل، قال ابن حجر _ رحمه الله _:"والأقرب إلى الصواب: أن الحالة التي تدور بين الأمرين لا ثالث لهما إذا لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيء كان يعمل فيه بموافقة أهل الكتاب؛ لأنهم أصحاب شرع بخلاف عبدة الأوثان فإنهم ليسوا على شريعة فلما أسلم المشركون انحصرت المخالفة في أهل الكتاب فأمر بمخالفتهم" (4) ، فكان يعمل _ عليه الصلاة والسلام _ بمخالفة من هو أبعد الكفار عن الحق لأنه بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يوافق أهل الكتاب أو أهل الأوثان فاختار موافقة أهل الكتاب لأنهم أقرب إلى الحق من عبدة الأوثان، وهنا نجد النبي صلى الله عليه وسلم مع

(1) يقال سدل شعره وأسدله إذا أرسله ولم يضم جوانبه، انظر: فتح الباري: 10 / 362،"والسدل: الإرسال والفرق قسمة شعر الرأس في المفرق"، انظر: تنوير الحوالك، للسيوطي: 1 /232

(2) - الفرق تفريق الشعر بعضه من بعض وكشفه عن الجبين، انظر: فتح الباري: 10 / 362

(3) - رواه البخاري في صحيحه: 3/1305، برقم: (3365) ، و: 3/1434 برقم: (3728) ، و: 5/2213 برقم: (5573) ، ومسلم في صحيحه: 4/1817، برقم: (2336) .

(4) - انظر: فتح الباري 10 /362

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت