فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 555

النصارى، فإنه لا يخرج عن الأمر بمخالفتهم كما سبق بيانه قريبًا.

…كما ورد أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم عاشوراء، فلما أخبر بأن اليهود يصومونه: عزم على صيام تاسوعاء مع صيام عاشوراء فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ) ) (1) قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام:"فتدبر، هذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر صيامه سنة ماضية صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغب فيه ثم لما قيل له قبيل وفاته إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه وعزم على ذلك" (2) ، وهذا يعني أن السنة لم تكتفِ بالأمر بالمخالفة والنهي عن التشبه المطلق بالكفار، بل جاءت بمخالفتهم حتى فيما هو من الشرع الحنيف الثابت أنه مما يحبه الله ويرضاه، كما هو شأن يوم عاشوراء فإنه قد ورد في فضل صيامه: أنه يكفر السنة الماضية (3) ، ولكن مع ذلك لم يشفع هذا الفضل لصيامه مفردًا، لأن أهل الكتاب كانوا يصومونه على هذه الهيئة، فأمرنا بمخالفتهم بصيام يوم قبله حتى نخرج عن مشابهتهم، فلم نؤمر بصيامه مفردًا كما يفعل أهل الكتاب _ مع أن الفضل الوارد في صيامه لا في غيره _ منعًا من المشابهة لهم، ولم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامه؛ حتى لا يفوتنا الأجر العظيم المترتب على صيامه، فكان من شأن الأمة الوسط أن تؤمر بصيامه مع صيام يوم قبله؛ لتتحقق المخالفة ويثبت الأجر.

(1) أخرجه مسلم في صحيحه: 2/797 برقم: (1134) ، وأبو داود في سننه: 2/327 برقم: (2445) .

(2) اقتضاء الصراط المستقيم: 1/285.

(3) انظر: صحيح مسلم 2/818 برقم: (1162) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت