فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 555

الأول: أن فكرة سارتر: (الوجود يسبق الماهية) ، تعارض عقيدة القضاء والقدر؛ فإن ماهية الأشياء موجودة مسبقًا معلومة لدى الله في كتاب حفيظ، (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (1) ، فهي تعارض هذه العقيدة بمراحلها الأربع: من العلم إلى الكتابة وإلى المشيئة ومنها إلى الخلق (2) ، فلا ماهية للشيء قبل وجوده وهذا ينفي المراتب الثلاث الأولى، مما ينفي بدوره الخلق، ولذلك فالوجودية لا تصرح بعدم وجود الخالق بقدر ما تصرف النظر عنه.

والثاني: أن فكرته هذه نفسها _ والتي لم يسبقه إليها أحد؛ فهو يجرد الموجودات عامةً من كل وصف قبل وجودها كأفراد في الخارج، ويزعم أنه ليس ثمة لها أوصافًا في الذهن يمكن تصورها قبل وجودها _ تجرد الإنسان من ماهيته وطبيعته كإنسان، وتصفه بوصف هو وجوده في ذاته، وليس ثمة وصفٌ للإنسانية بشكل عام، إنما يتوصل الفرد إلى وصف نفسه بما يوجده هو في نفسه من صفات نافعة أو ضارة، وفي ذلك يستوي مع الحيوان فلا كرامة لأحدهما على الآخر فليس ثمة للإنسان صفة حين ولادته غير صفة وجوده، كما أن الحيوان عند ولادته ليست له صفة أخرى غير صفة وجوده، وأما الشيء الذي يحدد ماهية الإنسان، فهو الشيء الذي يلصقه هو بنفسه ويعلقه على شماعة الإنسانية _ إن صح التعبير _ فليس للإنسانية (ماهية) أو معنى عام يشترك فيه جميع الناس، وإنما يحدد كل إنسان معنى إنسانيته من خلال ممارساته، ليضيف إلى الإنسانية معنى آخر، ربما سُبق إليه وربما لم يسبق إليه؛ فليس ثمة للإنسانية معنى مثاليًا، تحكمه أديان أو أخلاق أو أعراف.

(1) سورة: (طه: من الآية52) .

(2) انظر: التدابير الواقية من التشبه بالكفار، د. عثمان دوكري: 1/194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت