وما دام الإنسان مشروعًا وتصميمًا يضعه لنفسه، إن بالضرورة مسؤول عما يكون عليه. وكل إنسان يحمل المسؤولية الكاملة عن وجوده. ولا تقتصر هذه المسؤولية عليه وحده بوصفه فردًا، بل تمتد إلى الناس جميعًا، لأن القرار الذي يتخذه لنفسه يمس سائر بني الإنسان فالإنسان حينما يختار نفسه هو في الوقت نفسه يختار لسائر الناس؛ ذلك لأنه باختياره هذا يرسم الإنسان كما يرى أن يكون؛ إذ أن اختياره لهذا أو ذاك توكيد في الوقت نفسه لقيمة ما يختاره، لأننا لا نختار أبدًا ما نؤمن أنه شر وإنما نختار دائمًا ما نعتقد أنه خير، ولا شيء يمكن أن يكون خيرًا لنا دون أن يكون أيضًا خيرًا للآخرين، فبتشكيلنا لصورة أنفسنا نحن نشكل في الوقت عينه صورة الإنسان وهكذا نرى أن مسئوليتنا أكبر بكثير جدًا مما نظن، لأنها تلزم الإنسانية كلها. وحتى الأفعال الشخصية، مثل الزواج، تلزم سائر الناس؛ فاختياري مثلًا أن أتزوج وأن أنجب أولادًا، حتى ولو كان الأمر عندي أمرًا متعلقًا بحالتي الخاصة أو بملذاتي وشهواتي، فإن هذا الاختيار نفسه يمس الناس جميعًا وعلى هذا فأنا مسؤول قِبَل نفسي وقِبَل الناس جميعًا في آن واحد معًا.
…وهذه المسؤولية البالغة الهائلة، لأنها تمس الناس جميعًا لا بد أن تثير في الإنسان القلق البالغ الهائل أيضًا. إذ كيف لا أكون مهمومًا كل الهم والقرار الذي اتخذته وإن بدا في الظاهر أنه قرار شخصي _ إنما هو قرار يمس جمع البشر؟! نعم! إن الإنسان يحاول الفرار من هذا القلق، بإسدال قناع عليه، ولكن هذا القناع لن يستر الحقيقة الرهيبة الكبرى" (1) ."
…هنا نلحظ أمرين:-
(1) انظر: موسوعة الفلسفة، د. عبد الرحمن بدوي: 1/566-567