…ومن ذلك ما جاء عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية (1) قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال: إن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ نهى عنه وقال: (( يفعل ذلك النصارى ) ) (2) ، فعلل النهي عن الوصال بأن ذلك من فعل النصارى، وهنا يحتمل أن يكون المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: (( يفعل ذلك النصارى ) )أنه من شرائع النصارى الصحيحة، وشريعتنا جاءت بخلافه فوجب الاكتفاء بما أمرنا به دون زيادة أو نقص، ويحتمل أن يكون المقصود: أن ذلك من محدثات النصارى ورهبانيتهم التي ابتدعوها، وهو الأقرب؛ لأن أفعال النصارى جاءت في السنة غالبًا على صفة الذم؛ فإنهم أهل بدع وضلال، كقوله - صلى الله عليه وسلم: (( والنصارى ضلاَّل ) ) (3) ؛ ولذلك _ والله أعلم _ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: إن ذلك من شرع عيسى، ولم ينسبه إلى شيء من كتبهم، فلم يقل: إنه مما جاء في التوراة أو الإنجيل، بل نسبه إلى النصارى الذين وصفهم في أحاديث أخرى بالضلال، وهنا رجح شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ أن يكون المقصود من الحديث: أن ذلك من محدثات النصارى فقال:"فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها" (4) ، ومعلوم أنه لو كان مقصود الحديث: أن الوصال من شرائع
(1) هو نذير بن الخصاصية السدوسي، كان يسمى أولا نذيرًا فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيرًا، انظر: الإصابة في معرفة الصحابة، لابن حجر العسقلاني: 6/425.
(2) رواه أحمد في مسنده 5/225 برقم: (22005) ، و مسند عبد بن حميد 1/159 برقم: (429) ، و الطبراني في الكبير 2/44 برقم: (1231) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد:"وليلى لم أجد من ذكرها وبقية رجاله رجال الصحيح"3/158، وليلى امرأة بشير بن الخصاصية ذكرها ابن حبان في الثقات: 5/346، برقم: (5154) .
(3) تقدم تخريجه، ص: ( ) .
(4) اقتضاء الصراط المستقيم: 1/213.